قبل الصواريخ والطائرات المسيّرة، تبدأ الحروب اليوم بقصة. ومن ينجح في فرض قصته على العالم، يكسب نصف المعركة قبل أن تبدأ المواجهة العسكرية.
ولهذا أصبحت حرب السرديات إحدى أخطر أدوات الصراع في العصر الرقمي، لأنها تستهدف العقول قبل الحدود، والوعي قبل الجيوش.
السردية هي الرواية التي تتبناها الدولة عن نفسها، وتقدمها بصورة واضحة ومستمرة لمواطنيها وللعالم.
إنها ليست مجرد حملة إعلامية، بل إطار متكامل يفسر التاريخ، ويشرح الحاضر، ويرسم المستقبل. ومن خلال هذه السردية تتشكل الهوية الوطنية، وتتحدد صورة الدولة في الخارج، ويترسخ الانتماء في الداخل.
لكن في المقابل، تنشأ السردية المضادة، وهي رواية تصنعها دول منافسة أو تنظيمات مؤدلجة أو شبكات إعلامية معادية، هدفها تشويه سمعة دولة ما، وبث الشكوك حول إنجازاتها، وتقويض الثقة بين الشعب وقيادته. وغالباً لا تعتمد هذه السرديات على الكذب الصريح فقط، بل تمزج بين حقيقة صغيرة وكميات كبيرة من التضليل، حتى تبدو أكثر قابلية للتصديق والانتشار.
لقد غيّرت منصات التواصل الاجتماعي قواعد اللعبة. فلم تعد صناعة السردية حكراً على القنوات التلفزيونية والصحف الكبرى، بل أصبحت تغريدة أو مقطع فيديو قصير أو حساب مجهول قادراً على إشعال موجة واسعة من التضليل خلال ساعات. ولهذا فإن المعركة لم تعد معركة محتوى فقط، بل معركة سرعة وانتشار وتأثير.
إن أخطر ما في السرديات المضادة أنها تستهدف وعي الإنسان. فإذا فقد المجتمع قدرته على التمييز بين الحقيقة والدعاية، أصبح قابلاً للتوجيه والتأثير، مهما امتلك من إمكانات اقتصادية أو عسكرية. ولذلك فإن الوعي هو خط الدفاع الأول. فالإنسان الواعي لا يصدق كل ما يقرأ، ولا يعيد نشر كل ما يشاهد، بل يسأل ويتحقق ويفكر قبل أن يحكم.
أما القانون فهو خط الدفاع الثاني. فالدول التي تحمي أمنها الوطني لم تعد تكتفي بالرد الإعلامي، بل تجرّم حملات التضليل المنظمة، وتموّل مؤسسات متخصصة في كشف الأخبار الكاذبة، وتلاحق الشبكات التي تستخدم الفضاء الرقمي للإضرار بمصالحها وسيادتها.
في زمن السرديات، لم يعد الانتصار لمن يملك الصوت الأعلى، بل لمن يملك الرواية الأكثر صدقاً، والأسرع وصولاً، والأقدر على كسب ثقة الناس. فالدول لا تُدافع عن حدودها بالسلاح وحده، بل تدافع عنها أيضاً بحماية عقول مواطنيها، لأن كل معركة تبدأ بقصة، وكل قصة قد تتحول إلى واقع إذا لم تجد وعياً يواجهها.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة