لم يكن إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب انتهاء اتفاق وقف إطلاق النار مع إيران مجرد تصريح سياسي عابر، بل يمثل تحولًا استراتيجيًا يعيد المنطقة إلى مربع المواجهة المفتوحة بعد فترة قصيرة من التهدئة الهشة.
فالتطورات الأخيرة، التي شملت تبادلًا جديدًا للضربات العسكرية، واستهداف مصالح حيوية، وعودة التصعيد في الخليج، تؤكد أن وقف إطلاق النار لم يكن يعالج جذور الأزمة، وإنما كان يؤجل انفجارها فقط.
تكمن خطورة المرحلة الحالية في أن الحرب الجديدة تختلف عن بدايتها. ففي الأشهر الماضية، كانت المواجهة تتركز على تحقيق أهداف عسكرية مباشرة، أما اليوم فإن التصعيد يأتي بعد انهيار الثقة بين الأطراف، وفشل المسار التفاوضي، وعودة العقوبات الاقتصادية، وتزايد الضغوط الداخلية والإقليمية على جميع اللاعبين. وهذه المعطيات تجعل احتمالات احتواء التصعيد أكثر تعقيدًا مما كانت عليه في السابق.
ومن الناحية العسكرية، لا يبدو أن أي طرف يسعى إلى حرب شاملة وطويلة، لكن الجميع يحاول تحسين موقعه الاستراتيجي قبل العودة المحتملة إلى طاولة المفاوضات. فالولايات المتحدة تريد استعادة قوة الردع وإظهار أن استهداف مصالحها أو الملاحة الدولية ستكون له تكلفة مرتفعة، بينما تسعى إيران إلى إثبات أنها ما زالت تمتلك القدرة على التأثير في أمن الخليج وطرق إمدادات الطاقة، رغم الضغوط العسكرية والاقتصادية المتزايدة.
أما الخطر الأكبر، فيكمن في اتساع دائرة الصراع. فكلما طال أمد المواجهة، ازدادت احتمالات انخراط أطراف إقليمية أخرى بصورة مباشرة أو غير مباشرة، سواء عبر العمليات العسكرية، أو من خلال الحرب السيبرانية، أو استهداف البنية التحتية للطاقة والملاحة البحرية. وفي منطقة ترتبط فيها أسواق الطاقة العالمية بأمن الممرات البحرية، فإن أي اضطراب جديد في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز ستكون له انعكاسات تتجاوز حدود الشرق الأوسط لتطال الاقتصاد العالمي بأكمله أكثر من أي وقت مضى، وهو ما بدأ ينعكس في تزايد مخاوف الأسواق الدولية.
وتشير التجربة إلى أن الحروب الحديثة لم تعد تُحسم فقط بالقوة العسكرية، بل أصبحت تُدار أيضًا عبر الاقتصاد، والعقوبات، والإعلام، والفضاء السيبراني، والقدرة على استنزاف الخصم سياسيًا ونفسيًا. لذلك فإن تجدد الحرب لا يعني فقط عودة القصف والعمليات العسكرية، وإنما يعني أيضًا دخول مرحلة جديدة من الضغوط المركبة التي تستهدف إضعاف قدرة الخصم على الصمود، وإعادة تشكيل البيئة التفاوضية بشروط أكثر ملاءمة للطرف الأقوى.
وبالنسبة لدول الخليج، فإن الأولوية الاستراتيجية تبقى الحفاظ على أمنها الوطني، وحماية منشآتها الحيوية، وضمان استمرار تدفق التجارة والطاقة العالمية، مع تجنب الانزلاق إلى مواجهة إقليمية واسعة. فاستقرار الخليج لم يعد قضية إقليمية فحسب، بل أصبح عنصرًا أساسيًا في استقرار الاقتصاد الدولي، وهو ما يفرض تعزيز منظومات الردع والدفاع، وتكثيف التنسيق الأمني، والإبقاء على قنوات العمل الدبلوماسي مفتوحة مهما بلغت حدة التصعيد. وهي ما تطبقه دولة الإمارات، كما يقول الكاتب.
إن ما نشهده اليوم قد لا يكون بداية حرب جديدة بقدر ما هو انتقال إلى مرحلة أكثر تعقيدًا من الصراع، تتداخل فيها الأدوات العسكرية والاقتصادية والسياسية أكثر من أي وقت مضى، وفي آن واحد. ولذلك، فإن السؤال لم يعد ما إذا كانت الحرب قد عادت، بل إلى أي مدى يمكن الاستمرار في منع تحولها إلى صراع إقليمي واسع يصعب احتواء تداعياته.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة