الفايكنغ الجدد.. وصفة أوروبية لـ«إنقاذ» الناتو
تدخل دول حلف شمال الأطلسي مرحلة مفصلية مع التئام قمة الناتو، وسط إدراك متزايد بأن البيئة الأمنية التي حكمت القارة لعقود لم تعد قائمة.
فرغم تأكيد الولايات المتحدة التزامها بالبقاء في الحلف، فإن أولوياتها الاستراتيجية تتجه بصورة متزايدة نحو منطقة المحيطين الهندي والهادئ ومواجهة تنامي النفوذ الصيني، ما يفرض على الدول الأوروبية تحمل مسؤولية أكبر في الدفاع عن أمنها.
ويعزز هذا التحول، بحسب صحيفة التليغراف، اتساع نطاق التهديدات القادمة من الشرق، حيث تواصل روسيا إعادة تشكيل قدراتها العسكرية ضمن اقتصاد حرب طويل الأمد، بما يثير مخاوف من انتقال المواجهة إلى أشكال جديدة تتجاوز ساحات القتال في أوكرانيا.
وفي خضم هذا النقاش، يبرز نموذج غير تقليدي يستلهم تجربة شعوب الشمال أو "الفايكنغ"، ليس بوصفه استدعاءً للتاريخ، بل باعتباره رؤية لبناء ركيزة دفاعية جديدة داخل الحلف، تقودها دول شمال أوروبا وتكون أوكرانيا أحد أعمدتها الرئيسية.
الفايكنغ الجدد.. قوة الشمال
يرى أصحاب هذه الرؤية أن الحل لا يكمن في إنشاء مؤسسات أوروبية جديدة، بل في البناء على قوة المشاة المشتركة، التي تقودها المملكة المتحدة وتضم عشر دول من شمال أوروبا.
ويستند هذا الطرح إلى الإرث التاريخي للفايكنغ الذين ربطوا شمال القارة بجنوبها عبر التجارة والقتال والتحالفات، قبل أن يصبحوا جزءاً من الحرس الفارانجي الذي تولى حماية الإمبراطورية البيزنطية.
واليوم، يمكن لهذا النموذج أن يتحول إلى تحالف دفاعي حديث يعتمد على سرعة الحركة، والتكامل الصناعي، والقدرة على الاستجابة الفورية للتهديدات.
ولا يكتمل هذا التصور دون أوكرانيا، التي تحولت خلال الحرب إلى مختبر عالمي للتقنيات العسكرية الحديثة. فقد نجحت في تطوير وإنتاج أعداد كبيرة من الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة، وأثبتت أن الابتكار وسرعة الإنتاج قد يكونان أكثر حسماً من امتلاك الأسلحة التقليدية الباهظة.
ويرى مؤيدو الفكرة أن كييف ينبغي ألا تُعامل كدولة تنتظر الانضمام إلى المنظومة الغربية، بل كشريك مؤسس يقود تطوير تقنيات المسيّرات، وحماية البنية التحتية البحرية، وتسريع الصناعات الدفاعية الأوروبية.
إصلاح أولويات الدفاع الأوروبي
وتكشف الحرب في أوكرانيا أن أوروبا لا تزال تعاني فجوة كبيرة بين طموحاتها السياسية وقدراتها العسكرية، سواء بسبب محدودية المخزونات أو بطء الإنتاج أو تعثر مشاريع التسليح المشتركة.
لذلك، يدعو أنصار "نموذج الفايكنغ" إلى إعادة توجيه الاستثمارات نحو الأنظمة منخفضة التكلفة والقابلة للإنتاج الكثيف، وفتح برامج إعادة التسلح أمام الحلفاء القادرين على تلبية احتياجات الجيوش الأوروبية بسرعة، بدلاً من تقييدها بحسابات صناعية وسياسية ضيقة.
طريق جديد لإنقاذ الناتو
ويخلص هذا الطرح إلى أن مستقبل الناتو لن يتحدد فقط بحجم الإنفاق الدفاعي، بل بقدرته على إعادة توزيع الأدوار داخل الحلف.
فوجود الولايات المتحدة سيظل ركناً أساسياً في معادلة الأمن الأوروبي، لكن نجاح الحلف في المرحلة المقبلة يتطلب قيام ركيزة شمالية قوية تستند إلى دول الفايكنغ الحديثة، وتمنح أوكرانيا موقع الشريك المؤسس لا التابع.
وبهذه الصيغة، يمكن لأوروبا أن تبني قوة ردع أكثر مرونة واستقلالية، وأن تحول تحالف الشمال من تجربة إقليمية إلى العمود الفقري للدفاع الأوروبي في مواجهة التحديات المقبلة.