بين مهلة الستين يومًا وعزاء خامنئي، يجد النظام الإيراني، بشقيه المحافظ والإصلاحي، نفسه أمام معضلة السجين في العلاقات الدولية؛ إذ لا ثقة، والتنازل خسارة وخيانة.
بعد توقيع مذكرة التفاهم التي منحت مهلة ستين يومًا للتفاوض حول اتفاق دائم بين واشنطن وإيران، سادت توقعات بإمكانية احتواء التصعيد وفتح نافذة للحلول السياسية.
كما عُدّت مشاركة الوفود الخليجية من السعودية وقطر وسلطنة عُمان في مراسم عزاء خامنئي رسالة حسن نية، تعكس حرص دول الخليج على دعم الاستقرار الإقليمي وتهيئة مناخ يساعد على إنجاح المسار الدبلوماسي.
غير أن تلك الرسائل لم تُترجم إلى تغيير في سلوك النظام الإيراني، إذ لم تؤدِّ إلى تهدئة أو التزام بروح الاتفاق، بل أعقبها تصعيد عسكري أعاد المنطقة إلى أجواء المواجهة.
وبدأت سلسلة التصعيد في 7 يوليو/ تموز 2026، بعد اتهام واشنطن إيران باستهداف سفن تجارية في مضيق هرمز، من بينها ناقلة غاز قطرية وناقلة سعودية، وهو ما اعتبرته الولايات المتحدة تهديدًا مباشرًا لحرية الملاحة وأمن الطاقة العالمي.
وفي 8 يوليو 2026، شنت الولايات المتحدة ضربات على أهداف داخل إيران، مؤكدة أن هدفها تقليص قدرات طهران على تهديد الملاحة في مضيق هرمز. وأعلنت القيادة المركزية الأمريكية استهداف أكثر من 80 هدفًا، شملت أنظمة الدفاع الجوي، وشبكات القيادة والسيطرة، ومواقع الرادار الساحلية، وقدرات الصواريخ المضادة للسفن، إضافة إلى أكثر من 60 زورقًا تابعًا للحرس الثوري الإيراني في مضيق هرمز ومحيطه.
وفي صباح الأربعاء من 8 يوليو، وخلال مؤتمر صحفي مشترك مع الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن اتفاق وقف إطلاق النار مع إيران «انتهى»، وقال إن التفاوض مع طهران «مضيعة للوقت».
كما اعتبر ترامب أن استهداف السفن التجارية في مضيق هرمز يمثل انتهاكًا للاتفاق، مضيفًا: «علينا أن نتخلص من سرطانهم… عليك أن تستأصل السرطان مبكرًا»، في إشارة إلى رفضه استمرار النهج الإيراني القائم على التصعيد.
وفي 9 يوليو 2026، توسعت المواجهة، إذ نفذت الولايات المتحدة ضربات إضافية داخل إيران، وأعلنت استهداف عدد أكبر من المواقع العسكرية. وردّت طهران بهجمات جديدة بالصواريخ والمسيّرات استهدفت الكويت والبحرين والأردن.
كما أعادت واشنطن فرض القيود على صادرات النفط الإيرانية بإلغاء الترخيص المؤقت الذي كان يسمح بتصدير النفط والمنتجات البتروكيماوية حتى 21 أغسطس، ومنحت الشركات مهلة لإنهاء تعاملاتها مع إيران، فيما اعتبرت طهران القرار خرقًا للاتفاق ولوّحت باتخاذ إجراءات لحماية مصالحها.
وتعكس هذه التطورات أن النظام الإيراني لم يستثمر مهلة الستين يومًا لبناء الثقة، بل اختار التصعيد العسكري واستخدام أمن الملاحة والطاقة كورقة ضغط سياسية، في محاولة لفرض وقائع جديدة على طاولة المفاوضات.
ومن منظور واشنطن، فإن تهديد مضيق هرمز يمثل تجاوزًا للخطوط الحمراء المرتبطة بأمن الاقتصاد العالمي، ويواجه النظام الإيراني تحديات أمنية واقتصادية متزايدة، من بينها تصاعد التوترات مع بعض الجماعات القومية والإثنية، الأمر الذي قد يدفعه إلى تصدير أزماته عبر مزيد من التصعيد الخارجي. غير أن هذه السياسة قد تؤدي إلى نتائج عكسية، من خلال زيادة الضغوط الدولية وتعميق الأزمات الداخلية.
لقد أثبتت مهلة الستين يومًا والرسائل الدبلوماسية الخليجية، بما فيها المشاركة في مراسم عزاء خامنئي، أنها لم تُحدث تغييرًا جوهريًا في سلوك النظام الإيراني. فبدلًا من استثمارها لبناء الثقة، عاد إلى سياسة التهديد والتصعيد، بما يعزز الانطباع بأن خيار القوة لا يزال يتقدم على خيار التسوية.
ويمكن فهم جانب من التيه السياسي داخل النظام الإيراني من خلال معضلة السجين في نظرية الألعاب بالعلاقات الدولية، التي تفسر لماذا قد تفشل الأطراف في التعاون رغم أن التعاون قد يحقق مكاسب مشتركة، بسبب خشية كل طرف من استغلال الطرف الآخر لأي تنازل يقدمه.
وينطبق هذا المنطق، بدرجة معينة، على العلاقة بين التيارات المحافظة والإصلاحية داخل النظام الثيوقراطي؛ فالمحافظون يخشون أن تؤدي التنازلات السياسية أو الانفتاح على الغرب إلى إضعاف أسس النظام الثيوقراطي وتقليص نفوذهم، بينما يخشى الإصلاحيون أن يؤدي دفعهم نحو تغييرات واسعة مع واشنطن إلى اتهامهم بإضعاف النظام أو خيانة الثورة الإيرانية الإسلامية الشيعية. ونتيجة لذلك، يختار الطرفان التمسك بمواقعهما، فتغلب حسابات الصراع الداخلي على فرص المراجعة والإصلاح، ويصبح التصعيد الخارجي أداة للحفاظ على التماسك الداخلي أكثر من كونه طريقًا نحو تسوية مستقرة.
من معضلة السجين هذه نخلص إلى أن استمرار سياسة المواجهة والرجوع للتفاوض، والاحتفاظ بالأذرع الإقليمية في العراق ولبنان واليمن، ومحاولة فرض شروط خلال المفاوضات، قد يفاقم المخاطر على مستقبل الدولة الإيرانية.
فالدول لا تتفكك بفعل الضغوط والقوى الخارجية وحدها، بل عندما يصر نظامها على تقديم خيار الصدام واستنزاف الدولة على الاستقرار والإصلاح، وعندما تتراكم الأزمات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وشرعية الحكم إلى درجة تهدد تماسك الدولة ووحدتها الوطنية.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة