عندما هُزمت الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، لم تخسر معركة عسكرية فقط، وإنما خسرت إمبراطورية امتدت قرونًا.
احتُلت إسطنبول، وتفككت مؤسسات ما كان يسمى زيفاً الخلافة الإسلامية، ورسمت معاهدة سيفر خريطة جديدة بدت وكأنها تطوي آخر صفحات العثمانيين.
في ذلك الوقت، اعتقد المنتصرون أن تركيا خرجت نهائيًا من معادلة القوة، وأن التاريخ أغلق الباب أمام عودتها، غير أن السنوات اللاحقة أثبتت أن الهزيمة العسكرية ليست دائمًا الفصل الأخير في قصة الدول.
فتركيا لم تستعد إمبراطوريتها، ولم تسترجع الأراضي التي فقدتها، لكنها احتفظت بأهم ما لا تستطيع الحروب تغييره، وهو الجغرافيا، ومع مرور الوقت، تحولت السيطرة على البوسفور والدردنيل إلى مصدر نفوذ استراتيجي منح أنقرة موقعًا لا يمكن تجاوزه في التوازنات الدولية.
هذه التجربة التاريخية تبدو جديرة بالتأمل عند قراءة المشهد الإيراني اليوم، فالضربات التي تعرضت لها إيران خلال الأشهر الماضية ألحقت أضرارًا بمنشآت عسكرية وبنى دفاعية وأعادت فتح النقاش حول مستقبل ميزان القوة في المنطقة، وفي الوقت نفسه، برزت المفاوضات بين واشنطن وطهران بوصفها محاولة لاحتواء التصعيد، إلا أن ما أعقبها كشف حجم التباعد بين الطرفين أكثر مما كشف عن وجود أرضية مشتركة.
فالوثيقة التي خرجت بها المفاوضات قدمتها واشنطن برواية تختلف عن الرواية الإيرانية، كل طرف تحدث عن التزامات وأهداف ونتائج بصياغة خاصة به، حتى بدا أن العالم أمام تفسيرين لوثيقة واحدة.
ومن هنا جاء وصفها لدى بعض المراقبين بأنها أقرب إلى "مذكرة عدم تفاهم" منها إلى مذكرة تفاهم، لأن الاختلاف لم يكن في التفاصيل فقط، وإنما في فهم طبيعة الاتفاق نفسه والغاية منه.
ولم يقتصر الأمر على اختلاف الروايات السياسية، إذ بقيت مؤشرات التوتر حاضرة في الخطاب والميدان، فالمفاوضات لم تُنهِ حالة انعدام الثقة، ولم تُزل أسباب التصعيد، وإنما أبقت الباب مفتوحًا أمام قراءات متباينة لمستقبل العلاقة بين الطرفين، وفي مثل هذه الحالات، تصبح الأفعال أكثر تعبيرًا من البيانات، لأن الاتفاقات تُقاس بقدرتها على تغيير السلوك، لا بمجرد التوقيع عليها.
كما لفتت مراسم تشييع المرشد الإيراني السابق علي خامنئي الأنظار، ليس فقط بوصفها حدثًا داخليًا، وإنما لما حملته من رسائل سياسية ورمزية، فقد طغت عليها مفردات تعبئة أيديولوجية وشعارات تعكس استمرار النظرة الصراعية إلى البيئة الإقليمية والدولية، وبالنسبة لكثير من المحللين، فإن مثل هذه الرسائل تشير إلى أن الخطاب السياسي في إيران ما زال ينظر إلى الصراع باعتباره عنصرًا أساسيًا في تعريف هوية النظام، حتى في ظل الضغوط العسكرية والاقتصادية.
ومن هنا يبرز عنصر الجغرافيا بوصفه أحد أهم الثوابت في التفكير الاستراتيجي، فالقدرات العسكرية يمكن أن تتغير، والتحالفات قد تتبدل، أما الممرات البحرية والمواقع الجيوسياسية فتبقى عوامل مؤثرة في حسابات الدول الكبرى والإقليمية، ولهذا يحظى مضيق هرمز باهتمام يتجاوز كونه ممرًا لنقل الطاقة، لأنه يمثل نقطة ارتكاز في معادلات الأمن الإقليمي والتجارة العالمية.
وتاريخ العلاقات الدولية يقدم أمثلة عديدة على أن الدول التي تتعرض لهزائم عسكرية تحاول، في مراحل لاحقة، توظيف عناصر القوة التي ما زالت تمتلكها، أحيانًا تكون هذه العناصر اقتصادية، وأحيانًا دبلوماسية، وفي حالات أخرى تكون جغرافية، فالموقع قد يتحول إلى ورقة تفاوض لا تقل أهمية عن السلاح، خصوصًا عندما يرتبط بمصالح دولية واسعة.
لهذا تبدو المقارنة مع التجربة التركية ذات دلالة، ليس لأن الظروف متطابقة، فهي تختلف من حيث الزمن والبيئة الدولية وطبيعة النظامين، وإنما لأن الحالتين تبرزان قيمة الجغرافيا بعد الحروب، فكما أصبحت المضائق التركية عنصرًا رئيسيًا في مكانة أنقرة بعد الحرب العالمية الأولى، ينظر كثير من الباحثين إلى مضيق هرمز بوصفه أحد أهم عناصر النفوذ التي تحتفظ بها إيران في بيئة إقليمية تشهد تغيرات متسارعة.
ويبقى السؤال المطروح هو ما إذا كانت الجغرافيا وحدها تكفي لإنتاج نفوذ طويل الأمد، التجربة التاريخية تشير إلى أن الموقع يمنح الدولة فرصة، لكنه لا يغني عن بناء الثقة، ولا يعوض الحاجة إلى الاستقرار الداخلي، ولا يحل محل العلاقات المتوازنة مع الجوار، فالجغرافيا قد تمنح أوراقًا مهمة، غير أن طريقة استخدامها هي التي تحدد ما إذا كانت ستصبح مصدر استقرار أو سببًا لاستمرار الأزمات.
ولهذا، فإن قراءة المشهد الإيراني لا تكتمل بالنظر إلى التطورات العسكرية وحدها، ولا بالمفاوضات وحدها، وإنما بربطهما معًا ضمن إطار أوسع يضم التاريخ والجغرافيا والسياسة، فالحروب قد تغير موازين القوة، والمفاوضات قد تؤجل المواجهات، أما الجغرافيا فتبقى عنصرًا ثابتًا يحاول الجميع توظيفه في رسم المرحلة التالية.
وربما لهذا السبب تظل المضائق، عبر التاريخ، أكثر من مجرد ممرات بحرية؛ إنها مفاتيح نفوذ تستمر قيمتها حتى بعد أن يصمت صوت المدافع.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة