في خضمّ التصعيد الإقليمي والاعتداءات الإيرانية السافرة على دول الخليج العربي والأردن، برزت النخب الخليجية بوصفها أحد أكثر خطوط الإسناد صلابة واتزانا.
لم تتعامل النخب الخليجية باعتبارها جموعا منفعلة، بل باعتبارها وعيا عاما يعرف كيف يتكلم عندما يجب الكلام، وكيف يصمت عن العبث عندما يصبح الصخب أداةً للخلط والتشويش.
تابعت عن قرب مواقف النخبة الخليجية على منصات التواصل طيلة أربعين يوما من الاعتداءات الإيرانية السافرة، كان حضور الأكاديميين، والإعلاميين، والمؤثرين، والشخصيات العامة الرقمية في الخليج حضورا يليق بهيبة دولهم ومعنى المسؤولية.
لم ينجرّوا وراء الفوضى، ولم يسقطوا في هاوية الانفعال الأعمى، بل نهضوا بدور بالغ الأهمية في إسناد الموقف الرسمي، وشرح السياقات، وتحصين الرأي العام، والدفاع عن السردية الوطنية والخليجية في الفضاء الرقمي من غير تهويل أجوف ولا استعراض.
ما يستحق الإشادة حقا أن هذه النخب لم تتعامل مع المنصات الرقمية على أنها ساحات شهرة، بل على أنها ميادين مسؤولية؛ فقد أدركت أن الكلمة في لحظات الأزمات ليست مجرد رأي عابر، وإنما جدار صدّ أمام الإرباك، وقد تكون أداة حماية للوعي العام، وقد تكون رافعة لصورة الدولة وهيبتها في لحظة تتكاثر فيها محاولات التشويه، ولذلك رأينا دفاعاً صلبا، وحضورا كثيفا، ومرافعة ذكية عن مواقف دولهم، من دون أن يفقدوا لغة العقل أو يفرّطوا في ميزان الاتزان.
لقد أدّت هذه النخب دورا يتجاوز مجرد التفاعل الإعلامي؛ فقد كانت بالفعل خط دفاع رقميا متقدما. شرحت، وفسّرت، وفككت، وردّت، وصوّبت، ومنعت كثيرا من محاولات سحب الرواية الخليجية إلى مسارات خاطئة أو قراءات مغرضة.
وفي عالم باتت فيه الحرب على الإدراك لا تقل خطورة عن أي مواجهة أخرى، يصبح هذا الجهد عملا وطنياً بامتياز، لأن حماية المعنى ليست أقل شأناً من حماية الحدود، وصيانة الوعي ليست أقل قيمة من صيانة الأمن.
والحق أن ما فعلته النخب الخليجية خلال هذه المرحلة يثبت أن الدول القوية لا تدير أزماتها بالمؤسسات الرسمية وحدها، بل أيضاً بما تملكه من نخب واعية، تعرف موقعها، وتفهم دورها، وتتحرك بوصفها شريكا في تثبيت السردية الصحيحة، لا مجرد جمهور يتلقى ثم يعيد الترديد. وهذا هو الفارق بين فضاء رقمي تقوده العشوائية، وفضاء رقمي تسنده نخب تعرف أن الدفاع عن الحقيقة جزء من الدفاع عن الدولة.
وحيث إن القائمة طويلة، فإن من أكثر هذه الأصوات حضورا واشتباكا، على سبيل المثال لا الحصر، البروفسور عبدالخالق عبدالله، وعبدالله النعيمي، وسيف الدرعي من الإمارات، وجابر الحرمي، وفالح الهاجري، وعبدالرحمن بن سعود من قطر، وسعد العجمي، وعايد المناع من الكويت.
هؤلاء الافاضل وغيرهم بالتأكيد لم يكونوا مجرد أسماء عابرة في زحام المنصات، بل كانوا وجوها متقدمة في معركة الوعي، وحضورا كثيفا في لحظة اختلطت فيها الروايات، واشتد فيها التزاحم بين الحقيقة والتشويش.
إن التحية هنا ليست مجاملة، بل استحقاق. تحية لكل أكاديمي رفع مستوى النقاش، ولكل إعلامي حافظ على اتزان الخطاب، ولكل مؤثر رفض أن يكون بوقاً للانفعال، ولكل شخصية عامة رقمية أدركت أن المنصة ليست ملكاً لصاحبها وحده، بل هي أيضاً مسؤولية أخلاقية ووطنية في أوقات الاختبار. هؤلاء جميعاً لم يكونوا على هامش الحدث، بل كانوا في صميمه، وأسهموا بوضوح في تمتين صورة دولهم، وفي إبقاء الرسالة الخليجية ضمن مسارها الصحيح، واضحةً، منضبطةً، منيعةً على التحريف.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة