رئيس المنتدى الخليجي للأمن والسلام يكشف لـ«العين الإخبارية» خفايا مواجهة شبكات إيران
في معركةٍ تتجاوز الصواريخ والطائرات المسيّرة إلى «حروب الظل» والخلايا السرية، تكشف الضربات الأمنية الخليجية المتلاحقة ضد شبكات مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني عن تحول نوعي في طبيعة المواجهة مع طهران.
وبينما تتساقط الخلايا تباعاً في أكثر من دولة خليجية، يؤكد المحلل السياسي الكويتي ورئيس المنتدى الخليجي للأمن والسلام الدكتور فهد الشيلمي، في حديث خاص لـ«العين الإخبارية»، أن دول الخليج دخلت مرحلة «فقأ العيون الاستخبارية» للحرس الثوري، عبر حرب استباقية تستهدف تجفيف منابع النفوذ الإيراني أمنياً واستخبارياً ومالياً.
- رابع خلية في شهرين.. البحرين تواصل اصطياد عملاء إيران
- توقيف 41 شخصا.. البحرين تعلن تفكيك تنظيم مرتبط بالحرس الثوري الإيراني
وكشف الشيلمي عن ملامح «حرب استخبارية صامتة» تخوضها دول مجلس التعاون ضد خلايا مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، لكنها خرجت للعلن، مؤكداً أن الضربات الأمنية الأخيرة لم تعد مجرد عمليات احتواء، بل تحولت إلى استراتيجية استباقية تستهدف تفكيك الشبكات السرية وتجفيف منابعها الاستخبارية والمالية داخل المنطقة.
ضربات متتالية
وتأتي هذه التطورات بالتزامن مع تحركات خليجية وعربية واسعة لاجتثاث شبكات إيران وذراعها «حزب الله»، وإحباط مخططاتها في المنطقة، عبر سلسلة من العمليات الأمنية الاستباقية التي شهدتها عدة دول عربية خلال الأشهر الأخيرة.
وبحسب معطيات أمنية، شهدت 5 دول عربية، هي الإمارات والبحرين والكويت وقطر وسوريا، تنفيذ 15 ضربة أمنية استباقية منذ 3 مارس/آذار الماضي وحتى اليوم، بينها 4 ضربات في البحرين وحدها خلال شهرين، استهدفت خلايا مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني وتنظيمات موالية له.
وجاءت هذه الإنجازات الأمنية بالتزامن مع الهجمات الإيرانية التي استهدفت دول الخليج والعراق والأردن، والتي بدأت في 28 فبراير/شباط الماضي واستمرت بشكل متواصل على مدار 40 يوماً، قبل أن تتجدد بصورة متقطعة بعد دخول وقف إطلاق النار بين أمريكا وإيران حيز التنفيذ منذ 8 أبريل/نيسان الماضي.
ونجحت دول الخليج بكفاءة واقتدار في صد الاعتداءات الإيرانية على أراضيها، بالتوازي مع تصعيد عمليات ملاحقة الشبكات الاستخبارية والخلايا المرتبطة بطهران داخل المنطقة.
واعتبر الشيلمي أن إعلان البحرين كشف خلية مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني يعكس انتقال المواجهة الخليجية مع شبكات إيران من «الحرب الصامتة» إلى المواجهة العلنية المباشرة، مؤكداً أن دول الخليج باتت تعتمد استراتيجية الضربات الاستباقية لتفكيك الخلايا قبل تنفيذ أي عمليات إرهابية أو استخبارية.
حرب صامتة خرجت للعلن
وقال الشيلمي، في حديث خاص لـ«العين الإخبارية»، إن «هناك حرباً شاملة وصامتة مستمرة، لكنها خرجت الآن إلى العلن، لأن هناك عدواً واضحاً، وأي تعامل معه هو تعامل مع عدو مباشر».
وأضاف أن الصواريخ الإيرانية والطائرات المسيّرة، سواء التي خرجت من إيران أو من مناطق تدعمها طهران، دفعت دول الخليج إلى التعامل بحزم مع هذه الخلايا الاستخبارية لتحييد خطرها الأمني.
وشهدت البحرين خلال الأسابيع الماضية سلسلة من الضربات الأمنية المتلاحقة ضد شبكات مرتبطة بإيران، توجت بإعلان السلطات البحرينية القبض على تنظيم مرتبط بالحرس الثوري الإيراني يضم 41 عنصراً.
ويعد هذا التنظيم رابع خلية مرتبطة بإيران يتم ضبطها في البحرين خلال شهرين، في مؤشر على تصاعد التحركات الأمنية البحرينية ضد ما تصفه المنامة بـ«الخطر الاستخباري الإيراني».
ويأتي الإعلان عن القبض على هذا التنظيم بعد 3 أيام من كشف وزارة الداخلية البحرينية نتائج مراجعة أمنية وقانونية شاملة أجرتها للجرائم والممارسات الناتجة عن «العدوان الإيراني السافر»، وذلك في إطار جهود مكثفة في البحث والتحري للوقوف على الارتباطات والأسباب التي قادت إلى ارتكاب هذه الجرائم.
كما جاءت هذه الخطوة بعد نحو أسبوع من إصدار محاكم بحرينية، في 28 أبريل/نيسان الماضي، أحكاماً وصلت إلى السجن المؤبد في قضيتين منفصلتين تتعلقان بالتخابر مع منظمة الحرس الثوري الإيراني الإرهابية، بهدف تنفيذ أعمال إرهابية وعدائية ضد مملكة البحرين والإضرار بمصالحها.
وجاءت تلك الأحكام غداة إسقاط البحرين الجنسية عن 69 شخصاً، بمن فيهم أفراد من عائلاتهم بالتبعية، وجميعهم من أصول غير بحرينية، على خلفية «إبداء تعاطفهم وتمجيدهم للأعمال العدائية الإيرانية الآثمة، أو قيامهم بالتخابر مع جهات خارجية».
ورأى الشيلمي أن البحرين تعد من أكثر الدول الخليجية استهدافاً من قبل الحرس الثوري الإيراني، خصوصاً عبر توظيف ما وصفه بـ«العنف السياسي المرتبط بالأيديولوجيا الطائفية».

وأوضح أن الحرس الثوري يعتمد على تجنيد عناصر محلية مرتبطة بمفهوم «ولاية الفقيه» بهدف الإضرار بمصالح دول الخليج من الداخل، معتبراً أن إعلان البحرين كشف هذه الخلايا يمثل دليلاً جديداً على «خطورة المشروع الاستخباري الإيراني في المنطقة».
وأشار إلى أن العديد من هذه العناصر «تم غسل أدمغتها مذهبياً» وتحويلها إلى أدوات تخدم أجندة الحرس الثوري، لافتاً إلى أن عمليات التجنيد والتدريب قد تتم خلال الزيارات والمواسم الدينية في مدن مثل النجف وكربلاء ومشهد.
«فقأ العيون الاستخبارية» للحرس الثوري
وأكد الشيلمي أن تفكيك هذه الشبكات يمثل ضربة استخبارية كبيرة للحرس الثوري وفيلق القدس، لأنه يحرم طهران من المعلومات المباشرة المتعلقة بالأوضاع الأمنية والمنشآت الحساسة وتحركات الدول الخليجية.
وقال: «التخلص من هذه المجموعات أو القبض عليها يشكل صمام أمان، لأنه يحرم الحرس الثوري من تقييم الحالة الأمنية للدول الخليجية، ويمنعه من الوصول إلى معلومات عن منشآت حساسة وتحركات مهمة».
وأضاف أن سقوط هذه الشبكات جعل الحرس الثوري «شبه أعمى» داخل الخليج، بعدما فقد جزءاً كبيراً من شبكاته الاستخبارية المتقدمة في المنطقة، معتبراً أن «العيون الاستخبارية المتقدمة للحرس الثوري في الخليج تم فقأها».
وأوضح أن تأثير هذه الضربات الاستباقية لا يقتصر على إسقاط عناصر وخلايا فقط، بل يمتد إلى إضعاف قدرة الحرس الثوري وفيلق القدس على الحركة والتخطيط والتجنيد داخل المنطقة.
وقال إن «هذه الضربات تضعف قيادة الحرس الثوري وفيلق القدس تحديداً، وتوجه رسالة قوية للخلايا المتعاطفة مع إيران بأنهم مكشوفون أمنياً».
وأضاف أن التحقيقات الجارية مع الموقوفين، خصوصاً في البحرين، ستوفر «كنزاً استخبارياً» من المعلومات التي قد تقود إلى كشف المزيد من الشبكات والعناصر المرتبطة بالحرس الثوري في المنطقة.
تجنيد جماعي وخلايا مترابطة
ولفت المحلل الكويتي إلى أن أخطر ما كشفته التحقيقات الأخيرة هو وجود «تجنيد جماعي» لعناصر مرتبطة بإيران في عدد من دول الخليج، وليس مجرد حالات فردية معزولة.
وقال: «عادة نشاهد جاسوساً أو جاسوسين، لكن أن نشاهد مجموعات بالعشرات فهذا يعني وجود تجنيد جماعي استمر لسنوات».
وأوضح أن سقوط الخلايا في البحرين والكويت والإمارات وقطر كشف عن وجود روابط وقنوات خلفية سرية تربط هذه المجموعات ببعضها البعض، مؤكداً أن «عرابها واحد وهو الحرس الثوري الإيراني».
وأضاف أن هذه الشبكات كانت تعتمد على واجهات اقتصادية وتجارية ومؤسسات خيرية ومطاعم وشركات تعمل كغطاء لتحويل الأموال إلى الحرس الثوري أو إلى جماعات مرتبطة به، مثل «حزب الله» والتنظيمات الموالية لإيران.
وأشار إلى أن الحرس الثوري يعتمد على هذه الشبكات الاقتصادية باعتبارها روافد مالية واستخبارية لدعم أنشطته داخل المنطقة، موضحاً أن بعضها كان يعمل تحت غطاء مشاريع صغيرة أو شركات كبرى لتحويل الأموال إلى الحرس الثوري والتنظيمات الموالية له.
وقال إن سقوط هذه الشبكات المتسارع في الخليج يكشف وجود ترابط مباشر بينها، كما يعكس نجاح الأجهزة الأمنية الخليجية في اختراق القنوات الخلفية السرية التي كانت تستخدمها تلك التنظيمات.
الخليج ينتقل إلى الضربات الاستباقية
وشدد الشيلمي على أن الأجهزة الأمنية الخليجية انتقلت من مرحلة الرصد والاحتواء إلى تنفيذ عمليات استباقية احترافية قبل وقوع أي هجمات أو عمليات تخريبية.
وقال إن «ما تقوم به الأجهزة الأمنية الخليجية هو عمل احترافي من الدرجة الأولى، لأنها لم تعد تعتمد فقط على التقصي، بل على عمليات استباقية قبل حدوث الجريمة أو الحادث الإرهابي».
وأضاف أن هذه الضربات الاستباقية «توجه رسالة قوية للخلايا المتعاطفة مع الحرس الثوري، وترهب أي مجموعات تفكر في تنفيذ عمليات إرهابية مستقبلاً».
وأكد أن هذه العمليات تعكس تطوراً كبيراً في أداء الأجهزة الأمنية الخليجية، وقدرتها على التعامل مع «تهديد الظل» المرتبط بالشبكات السرية والخلايا الاستخبارية التابعة لإيران.
وأشار إلى أن الضربات الأخيرة تعكس أيضاً تراجع مستوى التعاطف الشعبي مع هذه الخلايا، إضافة إلى ضعف قدرتها على الحركة والتخفي داخل المجتمعات الخليجية.
إيران تتخلى عن خلاياها
وأكد الشيلمي أن النظام الإيراني يستخدم هذه الخلايا كأدوات مؤقتة لتحقيق أهدافه الأمنية والاستخبارية، قبل التخلي عنها عند سقوطها.
وقال: «الحرس الثوري يستخدم هذه العناصر ثم يرميها، ولا يقدم لها أي دعم عندما يتم القبض عليها، لأنه يعتبرها خسائر غير مهمة».
وأضاف أن طهران تحاول دائماً التنصل من مسؤولية هذه الأنشطة عبر الادعاء بأن العناصر المقبوض عليها «مواطنون مظلومون»، معتبراً أن هذه العناصر تعمل لخدمة أجندات الحرس الثوري على حساب أمن ومصالح دولها.
وأشار إلى أن النظام الإيراني يعتمد، ضمن عقيدته السياسية والأمنية، على استخدام الخلايا الاستخبارية للتدخل في شؤون الدول والإضرار بمصالحها، مؤكداً أن سقوط هذه الشبكات يمثل ضربة مباشرة لمشروع «التوسع الطائفي والأيديولوجي» الذي تتبناه طهران في المنطقة.
«حرب خليجية» ضد وكلاء إيران
واعتبر الشيلمي أن دول الخليج تخوض بالفعل حرباً شاملة ضد شبكات ووكلاء إيران، لكن هذه الحرب تُدار أمنياً واستخبارياً وسياسياً بعيداً عن الضجيج الإعلامي.
وأشار إلى أن المواجهة الحالية لا تقتصر على التصدي للصواريخ والطائرات المسيّرة، بل تشمل أيضاً «تهديد الظل»، أي الخلايا الاستخبارية والتنظيمات السرية التي تعمل داخل المجتمعات الخليجية.
وأكد أن الضغوط الحالية على إيران، نتيجة التوترات مع أمريكا وإسرائيل، أضعفت قدرة طهران على دعم هذه الشبكات أو الدفاع عنها، ما يسرّع من تراجع نفوذها الإعلامي والاقتصادي والأيديولوجي في المنطقة.
وأضاف أن انشغال إيران بأزماتها الخارجية والتوترات العسكرية الحالية جعلها أقل قدرة على توفير الدعم السياسي والإعلامي وحتى المالي لخلاياها وشبكاتها داخل المنطقة.
التدخل الإيراني.. «خطر يتجاوز الصواريخ»
وحذر من أن التهديد الإيراني لا يقتصر على الصواريخ والطائرات المسيّرة، وإنما يتجاوزه خطر «التدخل المباشر في الشؤون الداخلية للدول عبر أنشطة التجسس والتخريب وإثارة الفتن الطائفية»، مشدداً على أن هذا السلوك يمثل تهديداً مباشراً لأمن الخليج والاستقرار الإقليمي.
وأكد على ضرورة وجود موقف خليجي موحد في مواجهة هذه التدخلات، معتبراً أن التركيز على الملف النووي الإيراني وحده لا يكفي، في ظل اتساع أنشطة الحرس الثوري ووكلائه داخل المنطقة.
كما دعا إلى طرح ملف الهجمات الصاروخية والأنشطة التخريبية الإيرانية ضمن أي مفاوضات دولية مع طهران، خصوصاً أن العديد من الأهداف التي تعرضت للاستهداف كانت منشآت مدنية داخل دول ليست في حالة حرب مع إيران.
وأشار إلى أهمية ترسيخ مبدأ «المقاضاة الدولية» ضد أي اعتداءات أو أنشطة تستهدف المدنيين والمنشآت المدنية، باعتبار ذلك أحد أدوات الردع في مواجهة التهديدات الإيرانية المتصاعدة.