ثقافة

التشكيلي المصري حلمي التوني لـ"العين الإخبارية": أغني والألوان ألحاني

الخميس 2019.3.7 05:26 مساء بتوقيت أبوظبي
  • 362قراءة
  • 0 تعليق
الفنان التشكيلي المصري حلمي التوني

الفنان التشكيلي المصري حلمي التوني

 لا يفصل الفنان المصري حلمي التوني بين مشروعه التشكيلي الممتد لنحو 40 عاما وبين سائر الفنون الأخرى، ويعتبر أنه ممن أدركوا مُبكرا العلاقة الوثيقة بين مختلف الفنون التعبيرية كالشعر والموسيقى والغناء والرسم.

وقال التوني في حديثه لـ"العين الإخبارية" إن هذا الإدراك المبكر جعله يتماهى مع الألوان والفرشاة كآلات موسيقية، وتكوين اللوحة كسيمفونية "أنا مغني بالفرشاة والألوان".

دار الحوار مع الفنان التشكيلي والمُصمم حلمي التوني في منزله بحي الزمالك بالقاهرة، وهو مقر إقامته ومرسمه كذلك الذي يسكن جدرانه الكثير من لوحات عمره التي تكتسحها بطلاته من النساء، واللاتي يحضرن كذلك في لوحات معرضه الجديد "للنساء وجوه" الذي يستضيفه جاليري "بيكاسو" في 8 مارس/آذار الجاري.

يشرح حلمي التوني (1934) في حواره نوافذ من تاريخه الفني والإنساني، وحكايات عن الفنان الشعبي الذي فتحت له أبواب الإبداع، ومسيرته الطويلة مع تصميم أغلفة الكتب، وغيرها من ألوان البهجة التي يؤمن بها.

-معرضك الجديد "للنساء وجوه" ما أبرز الوجوه التي خلصت لها بعد 40 عاما من الفن؟

بداية أنا مُحب للغة العربية كثيرا، أحب استخدام الفصحى في كثير من عناوين معارضي، فوجدت أن عنوان "للنساء وجوه" أكثر بلاغة، فأنا معروف برسم النساء، حضور الرجال في لوحاتي محدود، وكأنهم "مدعي الفتوة"، فأجعلهم بشوارب ضخمة أو حتى مُهرجين، لذلك يقولون إنني نصير المرأة، فعبر تاريخي في هذا المجال كفنان تشكيلي من جهة ومُصمم للأغلفة من جهة أخرى، وجدت أنني من نحو 40 سنة رسمت نساء كثيرات جدا، ثم اكتشفت أنه رغم أنهن كثيرات فإنهن مختلفات جدا تطورن مع تطور مشروعي الفني، فقررت أن أقوم بعمل زيارة جديدة لنساء لوحاتي، فقمت برسم نحو 40 لوحة، بعضها بورتريهات مستوحاة من بطلات لوحاتي القديمة الناجحة، وهناك جزء خاص في المعرض سيكون اسمه "المرأة والهدهد"، والهدهد له خصوصية عندي منذ زمن، وهذا الجزء سيكون للنساء فيه وجوه وأجنحة.

-ما الأفكار التي تطرحها من خلال وجوه النساء في المعرض؟

شعرت أنني أريد أن أجعل المشاهد يرى كيف أن الفن يُعطي درسا في الديمقراطية، فلو أن 10 فنانين وقفوا أمام منظر طبيعي واحد لخرج كل منهم بعمل مختلف كليا عن الآخر، هو درس في اختلاف وجهات النظر بين الجماعة، وهناك كذلك اختلاف في وجهة نظر الفنان الواحد، فخلال 40 سنة تغيرت وجهات نظري تجاه الحياة والمجتمع حتى في أسلوب الرسم من حيث التطور والتجدد، أرجو أن يكون معرضي الجديد نموذجا في مراجعة النفس كقيمة مهمة جدا يقدمها الفن التشكيلي، الفنان دائما تواجهه كذلك مشكلة كبيرة، هي أن يقدم عملا لم يأت به من قبل لا هو ولا غيره، الابتكار هو درس آخر يُقدمه الفنان، وكذلك الإتقان، لذا فالفن التشكيلي مُعلم النهضة، لأنه يحرص على هاتين القيمتين الابتكار والاتقان.


-"عندما يأتي المساء"، "ليه يا بنفسج"، "المغني حياة الروح".. عناوين غنائية اخترتها لعدد من معارضك.. حدثنا عن حكايات الموسيقى في حياتك؟

أنا مكتشف من فترة طويلة جدا العلاقة بين الفنون وبعضها، مكُتشف مثلا العلاقة بين الشعر والرسم، فكما يُقال إن الشعر هو كلمة وموسيقى، أو لغة وموسيقى، فأنا أجد الموسيقى في الفن التشكيلي، أرى الألوان كأنها آلاتي الموسيقية وألحاني، وأرى تكوين اللوحة كأنه تأليف سيمفونية، وفَهْم هذه العلاقة مهم للفنان سواء كان موسيقيا أو فنانا تشكيليا، فأنا أحب الطرب وأغني، تخصصت في الفنان الشعبي محمد عبدالمطلب، فأنا وهو أصدقاء في تخصصنا في الفن الشعبي هو عبر الغناء وأنا عبر الرسم، ولي صديق آخر هو محمود شكوكو الفنان الشعبي، الذي تعرفت عليه بعد تصميمي لعروسة "صحصح لما ينجح" من تأليف صلاح جاهين، ويحضرني أنني سمعت منه عبارة "كتب التاريخ اللي تسلي هي اللي بعشقها تملي"، فلفت نظري إلى كيف أن شخصا أُميا لا يقرأ ولا يكتب ومع ذلك مُدرك لقيمة كتب التاريخ، وتعلمت منه درسا أن الثقافة ليست بالتعليم، وأنها هي حكمة شعبية متوارثة.

-أتوقف عند الفن الشعبي وأساطيره في مشروعك.. كيف أحلت الشعبية إلى فنون سوريالية لك فيها مدرسة؟ 

كان هذا قرارا أخذته بعد فترة من تأملي في بداية مسيرتي، سألت نفسي ماذا أريد أن أقدم تحديدا؟ واستدعى ذلك أن أسأل: من أنا؟.

 هل أنا فرعوني، أم يوناني روماني، أم أنا فنان قبطي، أم فنان إسلامي، قلت إذا أنا كل هؤلاء، أنا مصري وأجمع كل تلك الصفات، أتذكر في هذا السياق كتابا مهما للدكتور ميلاد حنا حول طبقات الحضارة المصرية عنوانه "الأعمدة السبعة للشخصية المصرية"، اكتشفت بعد فترة من البحث أن الفنان الشعبي قام بهذه المهمة بدلا مني، وأنه جمع بين ملامح كل تلك الحضارات، تجد لديه ملمحا قبطيا وآخر إسلاميا ورومانيا كذلك، نجد ذلك في المنتج الشعبي خاصة في رسوم الحوائط في القرى وفي فن الوشم تحديدا، قلت إذا تولى عني هذا الفنان الشعبي الاختيار، واعتبرت الفنان الشعبي هو أستاذي، واكتشفت في هذه الرحلة أن هذا بالضبط ما حدث في أوروبا وأنني لست أول من فعل هذه المراجعة، ففكرة العودة للأصل والبحث عن الهوية حدثت في أوروبا في القرن الـ14، وأطلق عليها "عصر النهضة"، وهو إعادة الميلاد من جديد، واكتشفوا في هذا الوقت أن لهم جذورا تكمن في الفن الروماني واليوناني القديم، وقامت الحضارة الغربية على هذه القاعدة، وأنا كذلك بحثت عن جذوري وحاولت أن أبحث عن المسافة التي يقع فيها الفن، ما بين الواقع بعينه والإنتاج الفني، وهذا ما يفرق بين اللوحة التشكيلية وفن الفوتوجرافيا، لذلك كل فنان كوسيط ينقل الواقع بعينه، لو ضربنا مثلا لوجدنا أن كثيرا من أعمال بيكاسو في القرن الـ20 بها روح النحت والفن اليوناني القديم، فهو لم يقطع الخيط بينه وبين جذوره، وأنا لم أقطع علاقتي مع جذوري عبر الفن الشعبي.

-رسخت في معظم معارضك تأدية التحية لفنانين كبار وأصبح تقليداً لك في كل معرض.. من أبرز من قدمت لهم التحية ولماذا؟

أنا أحب الوفاء، فقد تعلمت من الفن الغربي، ومن الفنان الشعبي، وأنا حريص على تقديم نموذج للوفاء، ففي كل معرض أقدم تحية لأحد معلمي الكبار، قدمت تحية من قبل لعبدالهادي الجزار ومحمود سعيد وبيكاسو، وأقدم في معرضي الجديد تحية لموديلياني، من خلال رسمي لواحد من بورتريهاته بطريقتي، وجعلت السيدة "المودليانية" تتحول إلى المرأة والهدهد.

-تجنح في معارضك للكثير من النوستالجيات الجمالية القديمة، كما فعلت مثلا في معرضك "شبابيك"، هل ترسم ذاكرتك؟

يميل الإنسان عادة للحنين إلى الماضي، وماضينا كان جميلا فعلا، حتى الآن نشاهد على صفحات فيسبوك والميديا الشعبية صورا تقارن بين صور شوارعنا قديما في الستينيات مثلا، جمال في كل شيء حتى في العمارة والشوارع، أحب أن أذكر أن الحياة كانت جميلة ونريدها أن تكون كذلك الآن.

-في تصميم الكتب لك باع كبير.. منها أعمال لنجيب محفوظ كـ"ألف ليلة وليلة" وغيرها.. حدثنا عن حقل التصميم.

أنجزت نحو 4000 غلاف كتاب، منذ عملي في السلاسل والكتب الدورية في مجال الهلال، وفي العديد من دور النشر.

-حدثنا عن تصميمك لأغلفة مجموعة أعمال نجيب محفوظ.

قمت بتصميم 52 غلافا لأعمال نجيب محفوظ الكاملة كلها ماعدا رواية "أولاد حارتنا"، قمت فيها باختيار موضوعات من لوحاتي العديدة مناسبة لموضوع رواية محفوظ ، في "اللص والكلاب" مثلا استخدمت فيها لوحة لي لإمرأة فوق نخلة وكلاب تشب على النخلة للوصول إليها، قرأت مشروع محفوظ إلى حد كبير، رغم أنني ومع الطلب المتزايد على تصميم الكتب احترفت وتدربت على القراءة السريعة، خلال فترة إقامتي في لبنان اكتشفت أننا كفنانين مصريين معروفين جدا، لأن مجلاتنا كانت سائدة في هذا الوقت مثل الهلال، والمصور كنا نجدها على كل أرصفة الكتب في الدول العربية، وكانت من بين أدوات القوى الناعمة مع أم كلثوم، والسينما المصرية وكذلك الصحافة الثقافية المصرية، وأذكر عملي مع "المؤسسة العربية للدراسات والنشر" التي كانت بمثابة وزارة ثقافة في قوتها، صممت بها طابعا في الشكل والتصميم، وقدمت بها سلاسل، أصبح عدد الكتب التي صممت أغلفتها هائلا، من خلال غلاف الكتاب يمكن القيام بتثقيف فني، خاصة لأن الجميع لا يذهب إلى المتاحف، ولكنه من السهل المرور بغلاف الكتاب، وكذلك الحال بالنسبة لكتب الأطفال التي قمت بتصميمها.




-ما رأيك في حركة تصميم الكتب وكتب الأطفال تحديدا مصريا وعربيا؟

عنصر الرسم قلّ، دائما كنت واعيا لفكرة التصالح بين اللوحة والعمل المطبوع، لذلك هناك فنانون ذهبوا ضحية العمل المطبوع، بعد أن ضعفت لديهم الحاسة الفنية، ففنان اللوحة فكره وفنه شيء واحد، لذلك بدأت التمرد على عمل تصميم فني مطابق للنص الأدبي، وإنما كنت دائما أقدم نصا فنيا موازيا للعمل الأدبي، فالرسم ليس ترجمة فورية للنص الأدبي، هذا نوع من الطموح، تقديم عمل مواز، وأكرر على أهمية دور غلاف الكتاب المطبوع، في وقت لا يذهب فيه الناس إلى المتاحف أو المعارض.

-تتحدث عن عدم اهتمامك بالعالمية.. بماذا تهتم؟

لأن مجتمعاتنا محرومة من الفن، يهمني أن أكون فنانا مهما في العالم العربي، فهناك من ذهب إلى باريس في القرنين الـ19 والـ20، منهم فان جوخ وكاندينسكي ومودلياني، ومنهم من ذهب من كل العالم ومن مصر ولم ينجح في الصعود في باريس، عادوا كما ذهبوا، فالحكاية ليست بالذهاب والسفر، وأتذكر في هذا السياق قصة للفنان ممدوح عمار بعد أن ذهب إلى بعثة فنية بإيطاليا التي انبهر جدا بالفن بها، حتى أنني قمت بزيارته في هذا الوقت في إيطاليا فوجدته جالسا في غرفته وينسخ صورة لأبوزيد الهلالي، فاستعجبت المسألة، فقال لي عندها إنه خشي على نفسه من الانبهار بالفن الغربي الذي يمكن أن تضيع معه هويته.

-ماذا تريد أن تقول لوحاتك على لسانك؟

كما أحب الغناء والطرب، محمد فوزي وشكوكو وعبدالمطلب وبليغ حمدي زملائي في الفن الشعبي، فأرى أن لوحاتي غنائية lyrical، أريد بها أن أدخل البهجة على النفوس، أرى من أهم أدوار الفن هو البهجة والجمال الراقي، كالسينما، أنا اعتبر نفسي مغنيا يغني بالفرشاة والألوان.

-هل تمارس الرسم يوميا لساعات محددة أم أن الرسم لديك يخضع لوحي الفنان أو مزاجه الفني؟

أعمل بشكل يومي، هناك قصة شهيرة عن قيام إرنست هيمنجواي صاحب (العجوز والبحر)، بـ"بري" 12 قلم رصاص، وكان يجب بنهاية اليوم أن تكون قد انتهت الأقلام، حتى لو كان سيلقي بما كتب في القمامة، أو يحتفظ بها، مثال آخر لبيكاسو الذي كان يعمل نحو 12 ساعة في اليوم، لذلك ما زلنا نكتشف حتى الآن لوحات له، nothing comes out of nothing هناك مثل إنجليزي يقول، وأنا دائم العمل على مدار سنوات، في المرحلة الأخيرة أصبحت بالنهار أفسح المجال لأفكاري على الورق، ومن الساعة التاسعة مساء أغلق التلفزيون وأتفرغ للرسم حتى الثالثة صباحا، 6 ساعات يوميا متواصلة، لدرجة أن جسدي يؤلمني أحيانا، هناك فنانون يشكون في عدم حصولهم على تقدير، غالبا ستجد أنهم يعملوا مرة في الأسبوع أو بناء على المزاج، فالمسألة مشابهة تماما للرياضة، هناك لياقة بدنية ولياقة فنية مثل نموذج بيكاسو.

-ماذا تقرأ هذه الأيام؟

أصبحت في الفترة الأخيرة مدققا جدا فيما أقرأ، ربما لأن العمر تقدم وأصبحت أريد أن أرسم أكثر، فأخذ ذلك من وقت القراءة، ومع ذلك أن أحاول دائما أن أطلع، وأتمنى أن يتاح لي وقت أكبر للقراءة، كما أحب جدا القنوات الوثائقية مثل "ناشيونال جيوجرافيك" التي أشاهدها باهتمام كثيرا، أفضل الآن كتب التاريخ، فكتب التاريخ ضرورة لتوقع الفشل والنجاح، التاريخ مهم للفنان والمثقف، ضروري للإنسان بشكل عام.

-هل انتابك في وقت ما من مسيرتك الطويلة هاجس ترك الفن التشكيلي؟ 

لا أبدا، أشكر الله أنني لم أفكر يوما في هذا، وعلى أنني حصلت على تقدير طوال حياتي، التقدير مهم جدا للفنان وحافز له على الاستمرار.

تعليقات