من قوارض خفية إلى وفيات غامضة.. «هانتا» يعود بوجه قاتل
في عرض المحيط الأطلسي، حيث تبدو الرحلات السياحية وكأنها هروب مثالي من ضجيج العالم، تسلل تهديد غير مرئي إلى واحدة من تلك السفن.
لم يكن الخطر عاصفة أو حادثا بحريا، بل فيروسا صامتا يعرف باسم "هانتا"، أعاد إلى الواجهة مخاوف قديمة من أمراض تنشأ في الظل وتظهر فجأة بأعراض قاتلة.

وفيروس هانتا ليس مرضا جديدا، لكنه يظل من أكثر الفيروسات غموضا وخطورة، كما يصفه د. خالد أبو العزم، استشاري الفيروسات بوزارة الصحة المصرية.
ويقول إن "هذا الفيروس ينتمي إلى مجموعة قادرة على إحداث نوعين رئيسيين من الأمراض: أحدهما يصيب الجهاز التنفسي بشكل حاد، والآخر يهاجم الكلى مسببا حمى نزفية، في الحالتين، يبدأ المرض بأعراض تبدو عادية، مثل الحمى وآلام العضلات والإرهاق، قبل أن ينقلب المشهد سريعا إلى حالة حرجة قد تشمل فشلا تنفسيا أو نزيفا داخليا، وهو ما يجعل التعامل معه تحديا طبيا حقيقيا".
وسيط غير متوقع
ما يزيد من خطورة هذا الفيروس أنه لا ينتقل بالطريقة التقليدية بين البشر، بل يعتمد على وسيط غير متوقع: القوارض.
ويوضح أبو العزم أن "الفيروس يعيش في أجسام بعض أنواع الفئران دون أن يسبب لها المرض، لكنه ينتقل إلى الإنسان عبر استنشاق جزيئات دقيقة من بولها أو برازها أو لعابها، وهذا النمط من الانتقال يجعل الإصابة به مرتبطة غالبا بالبيئات المغلقة أو الأماكن التي قد تتعرض لتلوث غير ملحوظ، ما يمنحه قدرة على التسلل دون إنذار واضح".
ويضيف أنه "داخل جسم الإنسان، يشن الفيروس هجوما معقدا على الأوعية الدموية، حيث يزيد من نفاذيتها بشكل خطير، في الحالات التي تصيب الرئتين، تتسرب السوائل إلى الحويصلات الهوائية، فيجد المريض نفسه فجأة غير قادر على التنفس بشكل طبيعي، حتى مع توفر الأكسجين. أما في الحالات الأخرى، فيؤدي إلى اضطرابات في وظائف الكلى ونزيف قد يكون مميتا، ومع غياب علاج نوعي مباشر، يعتمد الأطباء على التدخل السريع والدعم الطبي المكثف لمحاولة إنقاذ المرضى".

الندرة في مقابل الشدة
ورغم أن حالات الإصابة بفيروس هانتا تظل نادرة نسبيا، فإن معدل الوفيات المرتبط به يثير القلق، إذ قد يصل إلى نسب مرتفعة مقارنة بأمراض فيروسية أخرى. هذه المفارقة، ندرة المرض مقابل شدته، تجعله محل اهتمام دائم لدى الباحثين والهيئات الصحية، خاصة في ظل التغيرات البيئية وزيادة الاحتكاك بين الإنسان والحياة البرية.
في هذا السياق، جاءت الحادثة التي أعلنت عنها منظمة الصحة العالمية لتعيد تسليط الضوء على الفيروس، بعد تسجيل وفيات وإصابات مشتبه بها على متن السفينة السياحية "إم في هونديوس" لال رحلتها في المحيط الأطلسي.
ورغم تأكيد حالة واحدة فقط مخبريا حتى الآن، فإن ظهور عدة حالات بأعراض متشابهة ووقوع وفيات دفع السلطات الصحية إلى التعامل مع الموقف بحذر شديد، خصوصا مع نقل بعض المصابين إلى جنوب إفريقيا لتلقي العلاج.
ويختم أبز العزم بالإشارة إلى أن هذه الواقعة لم تؤكد فقط خطورة الفيروس، بل تعيد طرح أسئلة أوسع حول الأمراض التي تنتقل من الحيوان إلى الإنسان، وكيف يمكن لعوامل بيئية بسيطة أو غير مرئية أن تتحول إلى تهديد حقيقي في أماكن غير متوقعة.
وبينما لا توجد مؤشرات على تفشٍ واسع، فإن ما حدث يذكر بأن العالم لا يزال يواجه فيروسات تعمل بصمت، لكنها قادرة على تغيير مسار حياة كاملة في لحظات.