لماذا قد تكون الرطوبة أخطر من الحرارة؟ العلم يكشف عن العامل الخفي
في كل صيف تتجه الأنظار إلى أرقام درجات الحرارة المرتفعة، لكن العلماء يؤكدون أن الرقم الظاهر على مقياس الحرارة لا يروي القصة كاملة.
وفي كثير من الأحيان، قد تكون الرطوبة المرتفعة أكثر خطورة على جسم الإنسان من الارتفاع الإضافي في درجة الحرارة نفسها، لأنها تعطل آلية التبريد الطبيعية التي يعتمد عليها الجسم للبقاء على قيد الحياة.

وتحذر دراسات حديثة من أن موجات الحر المصحوبة برطوبة مرتفعة أصبحت تمثل تهديدا صحيا متزايدا في العديد من مناطق العالم، خاصة في دول الخليج العربي، حيث تتزامن حرارة الصيف الشديدة مع الهواء الرطب القادم من البحر.
التعرق.. خط الدفاع الأول ضد الحرارة
ويقول الدكتور عادل الدسوقي، استشاري الأمراض المدارية، لـ"العين الإخبارية"، إن " جسم الإنسان يعتمد على التعرق للحفاظ على درجة حرارته الداخلية ضمن الحدود الآمنة. فعندما ترتفع حرارة الجسم، تفرز الغدد العرقية العرق على سطح الجلد، ويؤدي تبخره إلى سحب الحرارة من الجسم وتبريده.
ويضيف أن "هذه العملية لا تعتمد على كمية العرق فقط، بل على قدرة الهواء المحيط على استقبال بخار الماء الناتج عن التبخر. وعندما يكون الهواء مشبعا بالرطوبة، يصبح تبخر العرق أبطأ بكثير، ما يقلل فعالية نظام التبريد الطبيعي".
وتوضح دراسة نشرت في دورية "جورنال أوف أبلايد فسيولوجي"، أن ارتفاع الرطوبة يحد بشكل كبير من قدرة الجسم على فقدان الحرارة عبر التبخر، حتى عندما تستمر الغدد العرقية في إنتاج كميات كبيرة من العرق.
عندما يصبح العرق بلا فائدة
وفي الأجواء الجافة يتبخر العرق بسرعة، فيشعر الإنسان بتأثير التبريد. أما في الأجواء الرطبة فقد يبقى العرق على الجلد أو الملابس دون أن يتبخر بكفاءة، ما يعني أن الجسم يفقد الماء والأملاح دون أن يحصل على الفائدة الكاملة من عملية التبريد.
ويشير باحثون من جامعة ولاية بنسلفانيا الأمريكية، في دراسة نشرت عام 2022، إلى أن البشر قد يصلون إلى حدود الخطر الحراري عند مستويات حرارة ورطوبة أقل بكثير مما كان يُعتقد سابقا، خاصة لدى كبار السن والأشخاص الذين يعانون أمراضا مزمنة.

الرطوبة قد تكون أخطر من حرارة أعلى
أظهرت دراسات فسيولوجية عديدة أن درجة حرارة تبلغ 40 مئوية في أجواء جافة قد تكون أقل إجهادا للجسم من درجة حرارة 34 أو 35 مئوية مصحوبة برطوبة مرتفعة للغاية.
ويقول الدسوقي إن "السبب في ذلك أن الجسم في البيئة الجافة يستطيع التخلص من الحرارة عبر تبخر العرق، في حين تتعطل هذه الآلية تدريجيا في الهواء الرطب. وعندما تستمر الحرارة الداخلية في الارتفاع، يزداد خطر الإصابة بالإجهاد الحراري وضربات الشمس والجفاف الحاد".
مفهوم "درجة حرارة البصيلة الرطبة"
ويستخدم العلماء مؤشرًا يُعرف باسم "درجة حرارة البصيلة الرطبة" لقياس التأثير المشترك للحرارة والرطوبة على جسم الإنسان.
وتُعد دراسة شهيرة نُشرت في مجلة "ساينس أدفانسيس" عام 2020 من أبرز الدراسات التي تناولت هذا المؤشر، حيث أظهرت أن بعض مناطق العالم بدأت بالفعل تسجل مستويات تقترب من الحدود الفسيولوجية التي يصعب على الإنسان تحملها لفترات طويلة.
وعندما تقترب درجة حرارة البصيلة الرطبة من 35 درجة مئوية، يصبح تبريد الجسم عبر التعرق شبه مستحيل حتى بالنسبة للأشخاص الأصحاء الموجودين في الظل ومع توفر المياه، ما قد يؤدي إلى ارتفاع خطير في درجة حرارة الجسم.
الخليج العربي من أكثر المناطق تعرضا للخطر
حذرت دراسات منشورة في"نيتشر كلايمت تشانغ" و "إينفيومينتال ريسيرش ليترز" من أن منطقة الخليج العربي تُعد من أكثر مناطق العالم عرضة لموجات الحر الرطبة الشديدة خلال العقود المقبلة.
ويعود ذلك إلى اقتران درجات الحرارة المرتفعة بمعدلات الرطوبة العالية الناتجة عن مياه الخليج العربي الدافئة، ما يرفع الإحساس الحراري إلى مستويات تفوق بكثير الأرقام المسجلة رسميًا.
وفي الكويت والسواحل الخليجية، قد تتجاوز درجات الحرارة 45 درجة مئوية خلال الصيف، في حين تؤدي الرطوبة المرتفعة إلى زيادة العبء الحراري على الجسم، خصوصًا خلال ساعات الليل عندما يفترض أن تنخفض مستويات الإجهاد الحراري.
لماذا لا تكفي درجة الحرارة وحدها؟
لهذا السبب لا يعتمد خبراء الأرصاد الجوية على درجة الحرارة فقط عند إصدار التحذيرات، بل يستخدمون ما يعرف بـ"مؤشر الحرارة"، الذي يجمع بين الحرارة والرطوبة لتقدير ما يشعر به الإنسان فعليا.
فقد تشير محطة الأرصاد إلى 40 درجة مئوية، بينما يشعر الجسم وكأن الحرارة تتجاوز 50 درجة بسبب تأثير الرطوبة المرتفعة.
متى تصبح الأجواء خطيرة؟
ويرتفع خطر الإجهاد الحراري عندما تتزامن عدة عوامل معا ، منها ارتفاع درجات الحرارة، الرطوبة العالية ، ضعف حركة الرياح، التعرض المباشر لأشعة الشمس، ممارسة نشاط بدني لفترات طويلة، والتقدم في العمر أو الإصابة بأمراض مزمنة.
وتشمل الأعراض الأولية للإجهاد الحراري الصداع والدوخة والتعب الشديد والغثيان والتشنجات العضلية، بينما قد تتطور الحالات الشديدة إلى ضربة شمس، وهي حالة طبية طارئة قد تهدد الحياة.
كيف تحمي نفسك؟
يوصي الخبراء بالإكثار من شرب الماء، وتجنب التعرض المباشر للشمس خلال ساعات الذروة، وتقليل الأنشطة البدنية المجهدة، وارتداء الملابس الخفيفة، والانتقال إلى أماكن مكيفة أو مظللة عند الشعور بالإرهاق.