الغطس في المياه الجليدية.. فوائد مذهلة أم موضة صحية بلا دليل؟
خلال السنوات الأخيرة، اجتاح "الغطس الجليدي"عالم اللياقة البدنية، وتحول من ممارسة محدودة إلى ظاهرة عالمية يتبناها الرياضيون والمؤثرون.
ورافق هذا الانتشار سيل من الادعاءات التي نسبت إلى المياه المثلجة قدرات استثنائية، بدءا من تسريع التعافي العضلي وإنقاص الوزن، وصولا إلى تعزيز التركيز وتحسين الصحة العامة.
لكن أبحاثا علمية حديثة بدأت تثير تساؤلات جدية حول مدى صحة هذه المزاعم، مشيرة إلى أن بعض الفوائد المتداولة قد تكون مبالغًا فيها، بل إن هذه الممارسة قد تحمل مخاطر صحية في ظروف معينة.

تأثير غير متوقع على العضلات
ويرى متخصصون في فسيولوجيا الجسم أن الأدلة العلمية الحالية لا تدعم بالكامل الصورة المثالية التي رسمتها وسائل التواصل الاجتماعي للغطس الجليدي. فخلافا للاعتقاد الشائع، تشير دراسات حديثة إلى أن غمر الجسم في الماء البارد جدا مباشرة بعد التمارين الرياضية قد يعيق عملية بناء العضلات بدلاً من دعمها.
ويفسر الباحثون ذلك بأن البرودة الشديدة تؤدي إلى انقباض الأوعية الدموية بشكل كبير، ما يقلل تدفق الدم إلى العضلات ويحد من وصول الأحماض الأمينية والعناصر الغذائية اللازمة لإصلاح الأنسجة المتضررة بعد التمرين. كما أن تقليل الالتهاب بصورة مفرطة قد يحرم الجسم من إحدى الآليات الطبيعية التي تساعد على التكيف وزيادة الكتلة العضلية.
هل يساعد فعلًا على خسارة الوزن؟
ومن أكثر الادعاءات انتشارا بشأن الغطس الجليدي قدرته على حرق الدهون وإنقاص الوزن عبر تنشيط ما يعرف بـ"الدهون البنية"، وهي نوع خاص من الدهون ينتج الحرارة لمساعدة الجسم على مقاومة البرد.
غير أن الدراسات تشير إلى أن كمية السعرات الحرارية الإضافية التي يحرقها الجسم بهذه الطريقة محدودة نسبيا، ولا تكفي وحدها لإحداث تغيرات ملموسة في الوزن أو نسبة الدهون على المدى الطويل دون اتباع نظام غذائي صحي وممارسة النشاط البدني بانتظام.

مخاطر على القلب والأعصاب
ويحذر أطباء من تجاهل المخاطر المحتملة للغطس الجليدي، خاصة لدى الأشخاص الذين يعانون من أمراض القلب أو ارتفاع ضغط الدم.
فعند التعرض المفاجئ للماء شديد البرودة، قد تحدث ما يعرف بـ"صدمة البرد"، وهي استجابة فسيولوجية سريعة تؤدي إلى ارتفاع حاد في معدل ضربات القلب وضغط الدم. وفي بعض الحالات، قد يشكل ذلك خطرا على الأشخاص المصابين بمشكلات قلبية أو وعائية كامنة.
كما يشير الخبراء إلى أن الإفراط في هذه الممارسة، خصوصا بشكل يومي ومتكرر، قد يزيد من احتمالات تضرر الأعصاب الطرفية في اليدين والقدمين نتيجة التعرض المستمر للبرودة الشديدة.
فوائد حقيقية.. ولكن بشروط
ورغم هذه التحفظات، لا ينفي العلماء وجود بعض الفوائد المحتملة للغطس الجليدي عند استخدامه بشكل معتدل. فالتعرض القصير للماء البارد قد يساعد على تحسين الشعور باليقظة الذهنية، وتعزيز جودة النوم لدى بعض الأشخاص، وتخفيف آلام المفاصل والعضلات بصورة مؤقتة.
وينصح الخبراء بأن تكون جلسات الغطس قصيرة، تتراوح بين دقيقتين وثلاث دقائق، مع تجنب درجات الحرارة المنخفضة للغاية، بحيث لا تقل حرارة الماء عن 10 درجات مئوية، مع ضرورة استشارة الطبيب للأشخاص الذين يعانون من أمراض القلب أو الأوعية الدموية.
أداة مساعدة وليست حلا سحريا
وفي ظل الجدل المتزايد حول هذه الممارسة، يتفق الباحثون على أن الغطس الجليدي ليس علاجا معجزا قادرا على تعويض أسس الصحة الجيدة، كما أنه ليس ممارسة عديمة الفائدة بالكامل.
ففي النهاية، تبقى الركائز الأساسية للحفاظ على الصحة واللياقة هي النوم الكافي، والتغذية المتوازنة، والنشاط البدني المنتظم، بينما يمكن النظر إلى الغطس الجليدي باعتباره أداة مساعدة قد تفيد بعض الأشخاص في ظروف محددة، لا أكثر.