التعدين غير الشرعي للذهب يتفشى في أمريكا اللاتينية.. أرباح تفوق الكوكايين
تشهد دول أمريكا الجنوبية تحوّلًا خطيرًا حيث لم تعد تجارة المخدرات وحدها المصدر الرئيسي لتمويل الجماعات الإجرامية.
فقد بات الذهب الذي يتم تعدينه خارج نطاق القانون ينافسها بقوة، بل ويتفوق عليها في بعض الدول.
ووفقا لتحليل نشرته مجلة فورين بوليسي، فإن هذا التحول في في خريطة الاقتصاد غير المشروع، يعكس تغييرات عميقة في ديناميكيات الجريمة المنظمة، مدفوعة بعوامل اقتصادية وقانونية وبيئية معقدة.
وفي مناطق نائية من غابات الأمازون، مثل إقليم نابو في الإكوادور، على سبيل المثال، تحولت حياة السكان الأصليين إلى كابوس يومي. فقرى كانت تنعم بالهدوء والأمان أصبحت اليوم مسرحا للتلوث والعنف، نتيجة التوسع السريع في التعدين الأهلي/ غير القانوني. والسكان المحليون أنفسهم يتحدثون عن تراجع الأراضي الزراعية وانتشار الأمراض، إلى جانب تصاعد عمليات القتل والخطف.
عائدات ضخمة
وتشير تقديرات إلى أن قيمة التعدين الأهلي في المنطقة بلغت نحو 12 مليار دولار سنويًا بحلول عام 2023، وهو ما يجعله أحد أكبر مصادر التمويل للجماعات الإجرامية. وبحسب تقارير حديثة، فإن عائدات الذهب غير القانوني تجاوزت عائدات تجارة الكوكايين في كل من بيرو وكولومبيا، وهما من أكبر منتجي المخدرات في العالم.
وربما كان السبب، وفقا للتقرير، هو تراجع أسعار الكوكايين بشكل ملحوظ في الأسواق العالمية، خاصة في أوروبا، بينما ارتفعت أسعار الذهب بشكل كبير، مسجلة زيادة تصل إلى 65% خلال عام واحد فقط. علاوة على ذلك، فإن تهريب الذهب يُعد أقل خطورة من الناحية القانونية مقارنة بالمخدرات، نظرًا لصعوبة إثبات مصدره غير المشروع.
وقال التقرير إن الجماعات الإجرامية تستغل هذه الفجوة القانونية عبر غسل الذهب وتحويله إلى سبائك تبدو قانونية قبل تصديرها إلى الأسواق العالمية، بما في ذلك الولايات المتحدة وأوروبا والشرق الأوسط. وتشير بيانات إلى أن نحو 85% من صادرات الذهب الكولومبي قد تكون من مصادر غير قانونية.
لكن الثمن لا يُقاس فقط بالأرقام. فالتعدين الأهلي يعتمد بشكل كبير على استخدام الزئبق، وهو عنصر سام يُستخدم لفصل الذهب عن الصخور. هذه العملية تؤدي إلى تلوث التربة والمياه، وتسبب أمراضا خطيرة للسكان، من بينها التسمم العصبي والسرطان. وتؤكد تقارير منظمة الصحة العالمية أن التعرض للزئبق يشكل خطرًا كبيرًا على الصحة العامة، خاصة في المجتمعات القريبة من مواقع التعدين.
كما أن إزالة الغابات تُعد من أبرز الآثار البيئية لهذا النشاط، حيث تُستخدم معدات ثقيلة لتجريف مساحات واسعة من الغابات، مما يؤدي إلى تدمير النظام البيئي وفقدان التنوع الحيوي. وفي بعض الحالات، تُستخدم هذه المناطق أيضًا كنقاط انطلاق لأنشطة إجرامية أخرى.
تحركات حكومية
من جهتها، بدأت الحكومات في التحرك، وإن كان بشكل متفاوت. ففي البرازيل، أطلقت السلطات برنامجا لتتبع مصدر الذهب باستخدام تقنيات تحليل النظائر، مما يسمح بتحديد منشأ المعدن بدقة. كما تسعى دول أخرى إلى تعزيز التعاون الإقليمي لمكافحة هذه الظاهرة، من خلال مبادرات مشتركة وتبادل المعلومات.
وفي الولايات المتحدة، يجري النظر في تشريعات جديدة تهدف إلى تشديد الرقابة على واردات الذهب، خاصة من حيث الإفصاح عن مصدره. كما يُطالب خبراء بضرورة سد الثغرات القانونية التي تسمح بتهريب الذهب دون مساءلة، مقارنة بالقوانين الصارمة المفروضة على الأموال النقدية.
ورغم هذه الجهود، لا تزال التحديات كبيرة. فغياب تعريف واضح لما يُعتبر تعدينًا أهليا، إلى جانب وجود برامج رسمية تسمح بالتعدين "غير الرسمي"، يخلق بيئة رمادية تستغلها الجماعات الإجرامية. كما أن الفقر وغياب البدائل الاقتصادية يدفعان كثيرين إلى الانخراط في هذا النشاط رغم مخاطره.
ومع استمرار ارتفاع أسعار الذهب، قد تستمر هذه الظاهرة في التوسع، ما لم تُتخذ إجراءات حاسمة على المستويين المحلي والدولي.