«أديبك» تسلط الضوء على تطورات سوق الغاز في ظل الأوضاع الجيوسياسية الراهنة
ناقش محللون في قطاع الطاقة تداعيات التطورات الراهنة في الشرق الأوسط على سوق الغاز الطبيعي في العالم.
وفي سلسلة جديدة من منصة معرض ومؤتمر أبوظبي الدولي للبترول "أديبك"، تضمنت رؤى قيادات الفكر بعنوان: "أسواق الطاقة والجغرافيا السياسية: وجهات نظر الخبراء"، ألقى روبن ميلز، الرئيس التنفيذي لشركة Qamar Energy، الضوء على ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي، والمنافسة على الغاز الطبيعي المُسال بين أوروبا وآسيا، والآثار الأوسع لذلك على أمن الطاقة.
كما سلّط الضوء على مدى مرونة قطاع الغاز العالمي في مواجهة اضطرابات الإمدادات، وما الذي قد تحمله السنوات القليلة القادمة لأسواق الغاز الطبيعي المُسال.
وكتب ميلز أنه مع استمرار الهجمات توقفت تقريباً حركة ناقلات النفط الداخلة إلى الخليج والخارجة منه. وبسبب ذلك، بدأت الإمدادات تتراكم في الدول الكبرى المنتجة للنفط داخل الخليج، ما يضطرها بشكل متزايد إلى إيقاف إنتاج النفط والغاز.
وحدثت تخفيضات كبيرة في إنتاج النفط في العراق، كما توقف بشكل كامل إنتاج الغاز الطبيعي المُسال في قطر.
وشهدنا أيضاً بعض الهجمات على البنية التحتية للنفط والغاز، مثل مصفاة رأس تنورة في السعودية، وبعض ناقلات النفط في مواقع مختلفة، إضافة إلى مرافق لتخزين النفط، وفي حين معظم هذه الهجمات ليست خطيرة جداً بحد ذاتها، لكن إيقاف إنتاج النفط والغاز أمر بالغ الأهمية بالنسبة للاقتصاد النفطي العالمي.
كابوس في أوروبا
وبالنسبة لأوروبا، فإن الغاز قد يكون الجزء الأكثر حساسية في قطاع الطاقة المعرض للخطر. والسبب في ذلك أن هناك كميات كبيرة من النفط المخزن حول العالم.
ففي الدول الكبرى المستهلكة للنفط يوجد على الأقل مخزون يكفي 90 يوماً، وفي الصين يقارب المخزون 120 يوماً. لكن الأمر ليس كذلك في قطاع الغاز. فمخزونات الغاز في أوروبا منخفضة للغاية بعد خروجها من فصل الشتاء. كما أن أوروبا تأثرت بانقطاع الغاز الروسي منذ أواخر عام 2021، وخاصة منذ عام 2022.
وقد تمكنت أوروبا من تجاوز تلك الأزمة، وكانت تتوقع أن يأتي الغاز الطبيعي المُسال لإنقاذ الموقف، وبالفعل حدث ذلك حتى الآن. وحذر قائلا "لكن إذا خسرنا كل الغاز القادم من الخليج، خصوصاً من قطر، فلن يكون هناك من يستطيع تعويض ذلك. فلا توجد تقريباً أي قدرة إنتاج إضافية كبيرة للغاز الطبيعي المُسال في أي مكان آخر في العالم."
وفي حين أن أوروبا لا تستورد كميات كبيرة من الغاز الطبيعي المُسال مباشرة من قطر، لكن قطر تمثل جزءاً ضخماً من الإمدادات العالمية؛ فدول الخليج مجتمعة، مع قطر في المقدمة، توفر حوالي 16٪ من إمدادات الغاز الطبيعي المُسال في العالم. وإذا انقطعت الإمدادات المتجهة إلى آسيا، فسوف يبحث المستهلكون الآسيويون عن أي شحنات مرنة من الغاز الطبيعي المُسال يمكنهم شراؤها، وقد يسحبونها من أوروبا إذا لزم الأمر. حدث ذلك بالفعل مع شحنات طاقة من غرب أفريقيا – مثل نيجيريا – كانت متجهة إلى أوروبا ثم غيرت مسارها نحو آسيا.
وسيؤدي ذلك بالطبع إلى ارتفاع الأسعار في أوروبا. وفي النهاية سيتأثر الجميع؛ فقد تختلف التأثيرات قليلاً من منطقة لأخرى، وقد تختلف الأسعار، لكن جميع مستهلكي ومشتري الغاز الطبيعي المُسال سيتضررون.
ومنتجو الغاز الطبيعي المُسال في الولايات المتحدة قد يكونون من المستفيدين من هذا الوضع، لأنهم غالباً يبيعون بعقود مرنة أو قصيرة الأجل مرتبطة بأسعار الغاز المتداولة، والتي يمكن أن ترتفع كثيراً.
وبالنسبة للشركات التي تبيع لأوروبا ارتفعت الأسعار بالفعل بنحو 90٪ منذ بداية هذا الصراع، وقد ترتفع أكثر.
أمن الطاقة في أوروبا
وعن مرونة قطاع الغاز، تجدر الإشارة إلى أن النظام العالمي للغاز الطبيعي المُسال يكاد لا يملك أي طاقة إنتاجية فائضة، لذلك لا يستطيع أحد زيادة الإنتاج بأكثر من بضعة في المئة لسد أي فجوة. وهذا يختلف قليلاً عن النفط.
لكن على المدى الأطول، سيتمكن القطاع من التكيف مع الوضع. فالكثير من المستهلكين سيحاولون الابتعاد عن استخدام الغاز، وقد يلجؤون إلى النفط أو الفحم إذا لزم الأمر، كما سيزيدون من استخدام الطاقة المتجددة، رغم أن ذلك يستغرق وقتاً.
وأضاف إنه سيكون هناك تركيز أكبر بكثير على أمن الطاقة. وأحد الدروس المهمة سيكون تجنب الاعتماد على مصدر واحد للطاقة. فأوروبا اعتمدت بشكل مفرط على روسيا قبل عام 2022 واكتشفت خطأها. ثم أصبحت تعتمد على قطر لأنه لم يكن هناك بديل كبير. والآن تعتمد كثيراً على الولايات المتحدة، التي لديها أيضاً بعض علامات الاستفهام.
لذلك سيكون هناك توجه قوي نحو تنويع مصادر الطاقة قدر الإمكان. ورغم أن عدد كبار منتجي الغاز الطبيعي المُسال ليس كبيراً، فإن المشاريع الصغيرة في أماكن مثل كندا وأمريكا اللاتينية وأفريقيا قد تصبح أكثر جاذبية كوسيلة للتنويع.
أما الاتجاه الآخر المهم فسيكون نحو مصادر الطاقة غير الغازية. فارتفاع الأسعار وعدم الاستقرار قد يفيد منتجي الغاز الطبيعي المُسال على المدى القصير، لكنه يضر بأعمالهم على المدى الطويل إذا بدا الغاز مصدراً غير موثوق ومكلفاً.
ولهذا من المرجح أن نرى دفعة كبيرة جديدة – خاصة في آسيا وأوروبا – لتطوير مصادر طاقة أخرى مثل طاقة الرياح والطاقة الشمسية والبطاريات، والتي ستحظى باهتمام أكبر مما كانت عليه خلال السنوات الأربع الماضية.
أمن الطاقة الآسيوي
ومن جانبه، استعرض نوبو تاناكا، المدير التنفيذي الفخري لدى وكالة الطاقة الدولية، صدمات النفط السابقة، ومخاطر اضطراب الإمدادات والضغوط التضخمية، والأدوات المتاحة لإدارة تقلبات الأسواق. كما تناول ما يعنيه الوضع الجيوسياسي الحالي لأمن الطاقة في آسيا، وكيف يمكن أن تستجيب المنطقة لذلك.
وكتب نوبو إن الدول الآسيوية تعتمد بشكل كبير على نفط وغاز الشرق الأوسط من أجل نموها الاقتصادي، لذا فمن المؤكد أنها ستتأثر أكثر – خصوصاً الصين والهند. وفي الوقت نفسه، يأتي نحو 90٪ من نفط اليابان عبر مضيق هرمز. أما الغاز، فالوضع أفضل نسبياً، حيث أن نحو 10٪ فقط من الغاز الياباني يمر عبر هرمز، مما يعني أن مصادر الغاز أكثر تنوعاً.
وقال "إذا لم يستمر الوضع الحالي لفترة طويلة، فلن يكون هناك مشكلة كبيرة، لكن يجب أن نستعد لتأثيرات خطيرة محتملة على الإمدادات."
وأضاف أن حتى الإفراج عن كميات من الاحتياطي الاستراتيجي النفطي، يعد سيناريو كابوسي لأن فجوة الإمدادات أكبر بكثير من قدرة الوكالة على الإفراج عن الاحتياطي. وفي حين اعتمدت الوكالة على ذلك في سوق النفط، لكنها لا تستطيع التدخل في سوق الغاز. فالوكالة لا تمتلك أي مخزون أو سياسة أو التزام في قطاع الغاز، لذا يرتبط سوق الغاز أكثر بسوق الكهرباء أو البيانات اللازمة.
ومع الدور الكبير للغاز في توليد الكهرباء، نشهد طلباً متزايداً على الغاز الطبيعي المُسال، وقد ارتفعت الأسعار بالفعل، مما يجعل وضع العرض والطلب في السوق مقلقاً.