«غول التضخم» يفترس أمريكا.. الغلاء يضرب الولايات الحمراء والزرقاء
بعد فترة من الهدوء النسبي والتباطؤ التدريجي خلال عامي 2024 و2025، عاد غول التضخم ليعصف بالاقتصاد الأمريكي من جديد.
هذه المرة ألقى التضخم بظلاله الثقيلة على ميزانيات ملايين الأسر مسبباً قفزة هائلة في أسعار السلع الأساسية مثل الوقود، البقالة، والاحتياجات اليومية.
وأظهرت البيانات الرسمية الأخيرة أن معدل التضخم السنوي في الولايات المتحدة قفز ليبلغ 3.8%، وهو المستوى الأعلى له منذ 3 سنوات.
وفي هذا السياق، كشف تحليل أجرته وكالة "أسوشيتد برس" عن حقيقة جغرافية وسياسية داحضة؛ فالارتفاع الحاد في الأسعار طال الولايات "الزرقاء" (المحسوبة على الحزب الديمقراطي)، وكذلك ضرب بقوة مماثلة -وأحيانا أشد- الولايات "الحمراء" (المعقل التقليدي للحزب الجمهوري).
سجال سياسي
يأتي هذا التحليل ليرد على موجة من التصريحات السياسية التي حاولت تسييس الأزمة الاقتصادية. وكان أبرزها ما دار في مقابلة تلفزيونية عبر شبكة "فوكس بيزنس"، حيث وجه الإعلامي المالي لاري كودلو سؤالاً إلى مدير المجلس الاقتصادي الوطني والمستشار الاقتصادي للرئيس، كيفين هاسيت، حول الحجم الحقيقي للأزمة.
وزعم هاسيت في إجابته أن التضخم يشهد "هبوطاً حاداً وعميقاً"، زاعماً أن الأزمة تتركز فقط في الولايات الزرقاء ذات التكاليف العالية واللوائح التنظيمية الصارمة، مثل نيويورك وكاليفورنيا، وأنه في حال استبعاد هذه الولايات من الحسبة الاقتصادية، فإن المشهد سيبدو مغايراً تماماً ومطمئناً.
إلا أن لغة الأرقام والواقع الفعلي يثبتان عدم صحة هذه الادعاءات، التي تبين أنها استندت إلى بيانات قديمة تعود إلى شهر نوفمبر/تشرين الثاني من العام الماضي، أي قبل اندلاع حرب إيران الأخيرة في 28 فبراير/شباط، والتي غيّرت المشهد الاقتصادي العالمي برمته.
ماذا قال الخبراء؟
ويؤكد خبراء الاقتصاد أن الموجة التضخمية الحالية لا تقتصر على الولايات الزرقاء، فالصراع في منطقة الشرق الأوسط، والذي تسبب في اشتعال أسعار النفط عالمياً. وفقاً لبيانات جمعية السيارات الأمريكية (AAA)، قد أدى لقفزة في أسعار البنزين على مستوى الوطن الأمريكي بنسبة تجاوزت 40%.
هذا الارتفاع الجنوني في أسعار الوقود أحدث تأثيراً متسلسلاً (Domino Effect)؛ حيث تسبب في رفع تذاكر الطيران، وزيادة تكاليف الشحن والنقل البري، مما أدى تلقائياً إلى قفزة في أسعار المواد الغذائية والبقالة في كل المدن الأمريكية دون تمييز.
علاوة على ذلك، شهدت أسعار الملابس ارتفاعاً ملحوظاً، وهو ما يرجعه محللون إلى الأثر المتأخر للتعريفات الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترامب.
وعلق كبير الاقتصاديين في مؤسسة "Inflation Insights"، أومير شريف، لـ"أسوشيتد برس" باقتضاب: "إنها ليست قصة ولاية زرقاء؛ أسعار الغاز والوقود ترتفع في كل ولاية تلو الأخرى".
الأرقام الرسمية
وبحسب التحليل، فإن تقارير وزارة العمل الأمريكية، التي تصدر مؤشر أسعار المستهلك (CPI) حسب المناطق الجغرافية، توضح الفروق الحقيقية، والتي جاءت على النحو التالي:
منطقة المحيط الهادئ (أغلبها ولايات زرقاء مثل كاليفورنيا، واشنطن، وأوريغون): سجلت معدل تضخم سنوي بلغ 3.5%، وهو ما يقل عن المعدل الوطني العام البالغ 3.8%.
منطقة جنوب شرق الوسط (جميعها ولايات حمراء تشمل ألاباما، ميسيسيبي، كنتاكي، وتينيسي): سجلت معدل تضخم مرتفعاً بلغ 4.5%، متجاوزاً المتوسط العام للدولة بشكل واضح.
وحتى في المناطق التي سجلت أرقاماً أقل من المعدل الوطني، مثل منطقة غرب جنوب الوسط (تكساس، أوكلاهوما، أركنساس، ولويزيانا) التي بلغت نسبة التضخم فيها 3.2%، فإن هذا الرقم يمثل تدهوراً كبيراً مقارنة بنسبة 1% التي كانت تسجلها هذه الولايات قبل جائحة كورونا.
رؤية مختلفة
ويخلط المحللون السياسيون أحياناً بين "مستوى الأسعار" و"معدل التضخم"؛ فرغم صحيح القول إن أسعار الوقود في كاليفورنيا (ولاية زرقاء) أعلى قيمياً حيث تبلغ 5.98 دولار للغالون مقارنة بـ3.72 دولار في تكساس (ولاية حمراء)، إلا أن "معدل ارتفاع الأسعار" مقارنة بالعام الماضي كان أسرع في تكساس الحمراء؛ حيث قفزت الأسعار فيها بنسبة 36% مقابل 26% فقط في كاليفورنيا.
أما بشأن ادعاء المستشار الاقتصادي هاسيت بأن التضخم الأساسي في طريقه للهدف الذي وضعه البنك الفيدرالي (2%)، فإن المؤشرات الرسمية تصف هذا الادعاء بالمضلل.
فقد ارتفع التضخم الأساسي (الذي يستثني أسعار الغذاء والطاقة المتقلبة) من 2.5% في يناير/كانون الثاني إلى 2.8%.
كما أن المؤشر المفضل لدى مجلس الاحتياطي الفيدرالي لقياس التضخم (PCE) ارتفع هو الآخر إلى 3.3% صعوداً من 3.1%. ويرى الاقتصادي أومير شريف أنه "لا يوجد أي مؤشر يدل على حدوث هبوط عميق في التضخم الأساسي في أي مكان حالياً".
واعتبر تحليل أسوشيتد برس أن هذه الأرقام تعكس واقعاً مأزوماً يواجهه المواطن الأمريكي بغض النظر عن توجهاته السياسية أو لون الولاية التي يقطنها، مما يضع الإدارة الاقتصادية في واشنطن والبنك الفيدرالي تحت مجهر ضغوط شعبية وسياسية واقتصادية متزايدة مع استمرار اشتعال الأزمات الجيوسياسية حول العالم.