صاروخ استطلاعي هجين.. خطوة نحو منظومة إطلاق فضائي إماراتية متكاملة
نجح معهد الابتكار التكنولوجي، ذراع الأبحاث التطبيقية لمجلس أبحاث التكنولوجيا المتطورة بأبوظبي، في تنفيذ أول إطلاق لصاروخ استطلاع يعمل بتقنية الدفع الهجين داخل دولة الإمارات، ما يمثل محطة مفصلية في مسار تطوير قطاع الفضاء الوطني.
الإنجاز لا يقتصر على تجربة إطلاق ناجحة، بل يمثل انتقال دولة الإمارات إلى مرحلة امتلاك سلسلة متكاملة من القدرات التي تشمل التصميم والهندسة والتصنيع والاختبار والتشغيل، وهي عناصر تمثل الأساس لأي برنامج فضائي سيادي، في إطار توجه استراتيجي لتعزيز البحث العلمي التطبيقي وتحويل مخرجاته إلى تقنيات قابلة للاستخدام في بيئات تشغيلية حقيقية.
من المختبر إلى منصة الإطلاق
يمثل المشروع نموذجًا لتحويل المعرفة النظرية إلى منظومات عملية، حيث جرى تطوير نظام الدفع والمحرك وكافة المكونات داخل الدولة بواسطة فرق بحثية وهندسية محلية.

وخضع البرنامج لسلسلة طويلة من الاختبارات شملت تجارب التدفق البارد واختبارات الاحتراق الساخن الثابت، قبل الانتقال إلى مرحلة الطيران الفعلي. وتمثل هذه المنهجية المتدرجة في التطوير أحد أهم مؤشرات النضج التقني، إذ تضمن تقليل المخاطر وتحقيق موثوقية أعلى عند التشغيل في ظروف واقعية.
تقنية الدفع الهجين
يعتمد الصاروخ على نظام دفع هجين يجمع بين خصائص الوقود الصلب والمحركات السائلة، من خلال استخدام أكسيد النيتروجين الأحادي كمؤكسد ووقود البولي إيثيلين عالي الكثافة.
وتوفر هذه التقنية مستوى أعلى من الأمان مقارنة بالأنظمة التقليدية، نظرًا لإمكانية التحكم في عملية الاحتراق وإيقافها عند الحاجة، إضافة إلى بساطة البنية الميكانيكية وانخفاض متطلبات البنية التحتية الأرضية. كما يلغي التصميم الذاتي الضغط الحاجة إلى أنظمة تبريد أو تجهيزات معقدة، ما يجعل المنظومة أكثر كفاءة وملاءمة للمهام البحثية دون المدار وتجارب إثبات المفاهيم.
هندسة المواد ودورها في الأداء
اعتمد تصميم الصاروخ على استخدام مواد مركبة متقدمة لتحقيق توازن بين الخفة والمتانة، وهو عامل حاسم في تحسين الأداء وتقليل استهلاك الوقود.
وصُنع الهيكل الرئيسي والزعانف من ألياف كربونية عالية الأداء قادرة على تحمل الأحمال الديناميكية والحرارية أثناء الطيران، بينما استخدمت مواد مركبة من الألياف الزجاجية في مخروط المقدمة لضمان عدم التأثير على أنظمة الاتصالات والملاحة، ما يعكس مستوى متقدمًا من التكامل بين علوم المواد والتصميم الفضائي.
وأتاح الإطلاق التجريبي، الذي بلغ فيه الصاروخ ارتفاع ثلاثة كيلومترات قبل الهبوط الآمن واستعادته، التحقق من جميع مراحل دورة الإطلاق، بدءًا من تكامل الأنظمة مرورًا بالإقلاع والتحكم أثناء الطيران وصولًا إلى الاستعادة.
وتمثل القدرة على إدارة هذه الدورة بالكامل محليًا مؤشرًا على تطور البنية المؤسسية والتشغيلية للقطاع الفضائي، وليس فقط التقدم التقني في مكونات الصاروخ نفسه.
بناء قاعدة لبرامج فضائية مستقبلية
يوفر هذا الإنجاز أساسًا تقنيًا يمكن البناء عليه لتطوير مركبات إطلاق أكثر تقدمًا قادرة على الوصول إلى ارتفاعات أعلى وحمل حمولات علمية أكبر. كما يفتح المجال أمام تنفيذ تجارب دون مدارية في مجالات الاستشعار والفيزياء الجوية واختبار التقنيات الفضائية الجديدة، ما يسهم في دعم منظومة البحث العلمي وتعزيز الاقتصاد المعرفي.
ويتجاوز أثر المشروع الجانب التقني ليشمل أبعادًا استراتيجية تتعلق بتعزيز الاستقلالية في الوصول إلى الفضاء، وتطوير الكفاءات الوطنية، وبناء منظومة صناعية داعمة تشمل تصميم المواد المتقدمة وأنظمة التحكم والملاحة.
كما يسهم في ترسيخ مكانة الإمارات كمركز إقليمي للبحث والتطوير في تقنيات الفضاء، ويعزز قدرتها على المشاركة في المشروعات الدولية من موقع المنتج للتكنولوجيا وليس المستخدم لها فقط.
