«يفتح الباب للدول النامية للمطالبة بتعويضات».. خبير يشرح تداعيات قرار أممي مناخي
التعهدات المناخية قد تتحول إلى التزامات قانونية
صوت أغلب أعضاء الجمعية العامة للأمم المتحدة في مايو/أيار الماضي على الرأي الاستشاري الذي أصدرته محكمة العدل الدولية في يوليو/تموز 2025 حول تحويل التعهدات المناخية إلى التزامات؛ باعتبار أنّ قضية تغير المناخ تتناول أبعادًا تتعلق بحقوق الإنسان.
وأكدت محكمة العدل الدولية ضرورة إقرار مسؤولية قانونية على الدول التي تتقاعس عن خفض انبعاثات الغازات الدفيئة. وهذا ينقل تعهدات المناخ من كونها مجرد تعهد سياسي إلى مساءلة قانونية.
وفي هذا الصدد، أجرت "العين الإخبارية" حوارًا مع هشام عيسى، خبير السياسات المناخية، والمنسق المصري السابق لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (UNFCCC)، حول قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة.
خلال الحوار، حدثنا عيسى عن تفاصيل القرار، والأبعاد المترتبة عليه، وتأثيره على قطاع الطاقة، والتأثير المحتمل على مصر.
إليكم نص الحوار..
ماذا يعني مناقشة محكمة العدل الدولية حول تحويل التعهدات المناخية إلى التزامات؟
حسنًا، يُعد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة A/80/L.65، والذي اعتُمد في 20 مايو/أيار 2026، خطوة سياسية وقانونية مهمة لدعم الرأي الاستشاري الذي اعتمدته "محكمة العدل الدولية" (International Court of Justice) في يوليو/تموز 2025، بشأن التزامات الدول تجاه تغير المناخ.
وقد أيّد القرار نحو 141 دولة مقابل 8 دول معارضة و28 دولة ممتنعة. وهذا يُثير تساؤلات عدة حول هذا القرار بشأن ماذا يعني تحويل التعهدات المناخية إلى التزامات؟ فعلى مدار السنوات الماضية، كانت معظم التعهدات المناخية الواردة في اتفاق باريس تُعامل سياسيًا باعتبارها التزامات تعتمد بدرجة كبيرة على الإدارة الوطنية لكل دولة؛ خاصة فيما يتعلق بالمساهمات المحددة وطنيًا (NDCs).
أما الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية؛ فقد قدّم تفسيرًا قانونيًا أكثر تقدمًا؛ إذ أكد أنّ حماية المناخ ليست مجرد تعهد سياسي بل التزام قانوني دولي مستمد من عدة مصادر قانونية، منها اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (UNFCCC)، واتفاق باريس، وبعض قواعد القانون الدولي العرفي.
قد يُعتبر الإخفاق الجسيم في اتخاذ إجراءات مناخية فعلًا غير مشروع دوليًا إذا أدى إلى أضرار كبيرة للدول الأخرى أو الأجيال الحالية والمستقبلية؛ فقد تنشأ مسؤولية دولية على الدولة المتسببة في الضرر المناخي، بما يشمل وقف السلوك الضار أو تقديم تعويضات أو أشكال أخرى من جبر الضرر في بعض الحالات.
وهل يمكن أن يتحول ذلك الرأي الاستشاري إلى حكم قضائي مُلزم؟
إنّ قرار الجمعية العامة لا يخلق التزامات قانونية جديدة بذاته؛ لأنّ قرارات الجمعية العامة غالبًا ليست مُلزمة قانونيًا، لكنه يمنح الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية وزنًا سياسيًا وقانونيًا كبيرًا، ويُشجع الدول والمحاكم الوطنية والدولية على الاستناد إليه عند النظر في قضايا المناخ، وهنا يثور تساؤل آخر حول ما هي الآثار العملية المتوقعة.
إذا تطور هذا الاتجاه القانوني، فقد نشهد زيادة الدعاوي القضائية المناخية ضد الحكومات ومطالبة الدول المتضررة؛ خصوصًا الدول الجزرية والدول النامية بتعويضات عن الخسائر والأضرار المناخية، وتشديد التدقيق على سياسات الوقود الأحفوري والانبعاثات. واستخدام هذا الرأي كمرجعية في مفاوضات المناخ وتمويل المناخ وآليات الخسائر والأضرار.
وهل يعني هذا أنّ الدول قد تصبح أكثر عرضة للمساءلة إذا أخفقت في تحقيق أهدافها المناخية؟
نعم، إلى حد كبير، هذا هو أحد أهم الآثار القانونية والسياسية للرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية والقرار الذي دعمته الجمعية العامة للأمم المتحدة، ولكن مع بعض التوضيحات المهمة مثل هل عدم تحقيق الأهداف المناخية يؤدي تلقائيًا إلى المسؤولية القانونية.
والإجابة فعليًا ليس بالضرورة، فالرأي الاستشاري لم يقل إن أي دولة لا تحقق هدفها المناخي ستُعتبر تلقائيًا منتهكة للقانون الدولي. بل أكد أن الدول ملزمة ببذل جهود جدية وفعالة ومتناسبة مع مسؤولياتها وقدراتها للحد من تغير المناخ وبالتالي، ستنظر أي مساءلة محتملة إلى عدة عوامل، منها مدى جدية السياسات والإجراءات التي اتخذتها الدولة، وما إذا كانت الدولة تتراجع عن التزاماتها المناخية دون مبرر، ما هو حجم مساهمة الدولة في الانبعاثات العالمية ومدى الضرر الذي قد ينجم عن أفعالها أو تقاعسها. بالإضافة إلى مدى التزامها بمبادئ الإنصاف والمسؤوليات المشتركة ولكن المتباينة.
وهنا قد تتصاعد الأهمية القانونية حال قد تستخدم الدول المتضررة من تغير المناخ الرأي الاستشاري كأساس قانوني أقوى للمطالبة بمحاسبة الدول ذات الانبعاثات المرتفعة.
ومن هنا؛ فإن قضايا التعويض عن الخسائر والأضرار قد تزداد المطالبات المرتبطة بتمويل الخسائر والأضرار المناخية، خاصة من جانب تحالف الدول الجزرية الصغيرة الدول الأقل نموًا.
الدول الأكثر تعرضًا للفيضانات والجفاف وارتفاع مستوى سطح البحر، وأيضًا الدول التي قد تتضرر من الإجراءات الأحادية التي من شأنها أن تربط بين الإجراءات المناخية فى دولة ما وتأثير تلك الإجراءات على دول أخرى متضررة؛ إعمالًا لمبدأ تدابير الاستجابة، ومثال ذلك تضرر مصر من الإجراءات التي اتخذتها إثيوبيا بشأن سد النهضة وتأثيره السلبي على مصر.
كيف يمكن أن يتأثر قطاع الطاقة؟
يُعد قطاع الطاقة من أكثر القطاعات التي قد تتأثر بالتوجه القانوني الجديد الذي يعزز فكرة أن العمل المناخي ليس مجرد تعهد سياسي، بل التزام قانوني متزايد الأهمية. ولا يقتصر التأثير على الحكومات، بل يمتد إلى شركات النفط والغاز والكهرباء والمستثمرين والمؤسسات المالية، ويمكن إجمال هذا الامر في الآتي:
أولاً: زيادة الضغوط على مشروعات الوقود الأحفوري إذا أصبحت الدول أكثر عرضة للمساءلة عن الانبعاثات؛ فقد تواجه الحكومات ضغوطًا أكبر عند:
- الموافقة على مشروعات نفط وغاز جديدة.
- التوسع في محطات الكهرباء كثيفة الانبعاثات.
- تقديم دعم مالي للوقود الأحفوري.
وقد تستخدم المحاكم والمنظمات البيئية الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية للطعن في بعض المشروعات التي يُنظر إليها على أنها تتعارض مع أهداف المناخ.
ثانيًا: ارتفاع أهمية الطاقة المتجددة
من المتوقع أن يزداد توجه الدول نحو:
- الطاقة الشمسية
- طاقة الرياح
- الهيدروجين الأخضر
- تخزين الطاقة
لأن الاستثمار في هذه القطاعات يساعد الحكومات على إثبات التزامها بخفض الانبعاثات وتقليل المخاطر القانونية المرتبطة بالسياسات المناخية.
ثالثًا: زيادة مخاطر الأصول العالقة (Stranded Assets)
قد تواجه بعض الأصول المرتبطة بالوقود الأحفوري خطر فقدان جزء من قيمتها الاقتصادية مستقبلًا، مثل:
- حقول النفط والغاز مرتفعة التكلفة.
- محطات الكهرباء القديمة ذات الانبعاثات المرتفعة.
- البنية التحتية التي تعتمد على استخدام الوقود الأحفوري لفترات طويلة وذلك نتيجة تشديد السياسات المناخية أو تغير اتجاهات التمويل والاستثمار.
رابعًا: تغير توجهات التمويل والاستثمار
البنوك وصناديق الاستثمار والمؤسسات المالية الدولية أصبحت تنظر بصورة متزايدة إلى المخاطر المناخية باعتبارها مخاطر مالية وقانونية.
لذلك قد يصبح تمويل المشروعات منخفضة الكربون أسهل من تمويل المشروعات عالية الانبعاثات، كما قد ترتفع متطلبات الإفصاح عن الانبعاثات والمخاطر المناخية.
خامسًا: تأثير مباشر على أسواق الكربون
- الرأي القانوني الجديد قد يدعم:
- التوسع في تسعير الكربون.
- تطوير أسواق الكربون الطوعية والتنظيمية.
- زيادة الطلب على أرصدة الكربون عالية الجودة.
- تعزيز آليات المادة 6 من اتفاق باريس.
وهذا قد يخلق فرصًا جديدة للدول النامية التي تمتلك مشروعات خفض الانبعاثات أو إزالة الكربون.
ما الخطوات القادمة لنقل تلك المناقشات إلى حيز التنفيذ المُلزم للدول؟
يُعد هذا السؤال من أهم الأسئلة المطروحة حاليًا في الأوساط القانونية والمناخية، لأن الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية وقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة لا يخلقان التزامات جديدة مباشرة، بل يضعان أساسًا قانونيًا وسياسيًا يمكن البناء عليه مستقبلًا.
أ- دمج تفسير المحكمة في المفاوضات المناخية الدولية
الخطوة الأولى ستكون محاولة عدد من الدول، خاصة الدول الجزرية والدول الأكثر تضررًا من المناخ، إدراج مبادئ الرأي الاستشاري ضمن قرارات مؤتمرات الأطراف (COP) التابعة لـ اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (UNFCCC) وقد يشمل ذلك:
- تشديد متطلبات تنفيذ المساهمات المحددة وطنياً (NDCs).
- تعزيز آليات المتابعة والشفافية.
ربط التمويل المناخي بدرجة الالتزام بالتعهدات.
ب- تطوير قواعد القانون الدولي العرفي
أحد أهم آثار الرأي الاستشاري هو أنه قد يساهم في تحويل بعض المبادئ المناخية إلى قواعد من القانون الدولي العرفي فعندما تلتزم غالبية الدول بممارسة معينة ستعتبر هذه الممارسة واجبًا قانونيًا، وقد تتحول إلى قاعدة عرفية ملزمة حتى خارج الاتفاقيات.
ج- ربط التمويل الدولي بالامتثال المناخي
فقد تتجه المؤسسات المالية الدولية إلى زيادة اشتراطاتها المناخية ومن بين الجهات المؤثرة البنك الدولي، صندوق النقد الدولي، البنك الأوروبي للاستثمار؛ فكلما ارتفعت أهمية الالتزامات المناخية قانونيًا، زادت أهمية إثبات الامتثال للحصول على التمويل والاستثمارات.
ما التأثير المحتمل على مصر؟
بالنسبة لمصر، قد يكون الأثر الأهم ليس زيادة مخاطر التقاضي، بل تعزيز موقفها التفاوضي في ملفات:
- تمويل المناخ.
- التكيف مع تغير المناخ.
- الخسائر والأضرار.
- نقل التكنولوجيا.
- تمويل مشروعات الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر.
- أسواق الكربون وآليات المادة 6 من اتفاق باريس.
كما يمكن لمصر الاستناد إلى هذا التطور القانوني للمطالبة بمزيد من الدعم الدولي لمواجهة آثار تغير المناخ على دلتا النيل والأمن المائي والزراعة.
والخلاصة، نعم، الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية يجعل الدول أكثر عرضة للمساءلة القانونية والسياسية عن تقاعسها المناخي، لكنه لا يخلق نظامًا تلقائيًا لمعاقبة أي دولة لا تحقق أهدافها.
الأهم أنه يرفع مستوى التوقعات القانونية من مجرد "تعهدات طوعية" إلى "واجبات قانونية يجب إثبات بذل جهود حقيقية لتنفيذها"، وهو تحول قد يؤثر مستقبلًا في قضايا التعويضات المناخية وتمويل المناخ والتجارة الدولية وأسواق الكربون.