أهم ميكروب في المحيطات يٌظهر قدرة كبيرة على التأقلم مع التغير المناخي (حوار)
تفاجئنا الكائنات الحية الدقيقة بقدرات مذهلة، فهي قادرة على مواجهة الظروف المناخية المختلفة، حتى في ظل الاحترار العالمي الذي تعاني منه أغلب الكائنات الحية التي تعيش على سطح الأرض.
يدفع ذلك العلماء المتخصصون في علم الأحياء الدقيقة لاستكشاف المزيد عن قدرات الكائنات الحية الدقيقة خاصة في المحيطات.
وفي هذا الصدد، أجرت مجموعة بحثية دراسة للبحث في مدى تأثر نوع محدد من الكائنات الدقيقة البحرية، اسمه العلمي (Nitrosopumilus maritimus)، والذي يُعد أحد أهم الميكروبات في المحيط؛ إذ أنه يُشارك في دورة النيتروجين التي تدعم نمو العوالق البحرية، وتجدر الإشارة إلى أنّ العوالق البحرية هي أساس السلسلة الغذائية.
أظهرت الدراسة المنشورة في دورية (PNAS) في بداية عام 2026 أنّ تلك الميكروبات قد استطاعت التكيف مع المياه الأكثر دفئا والأقل توفرا للحديد، وصار الميكروب يستخدم كمية أقل من الحديد، ويستخدم الكمية المتاحة له من الحديد بكفاءة عالية، ما يعني أنه أظهر قدرة على تعديل طريقة عمله الأيضية ليستمر في أداء وظائفه حتى في ظل الظروف الجديدة الناتجة عن تغير المناخ. مع ذلك؛ فهناك حدٍ معين لقدرة التكيف هذه.
تعتمد كائنات (Nitrosopumilus maritimus) على الحديد في تفاعلاتها الكيميائية التي تستمد منها طاقتها؛ لتحويل الأمونيا إلى مركبات أخرى ضمن دورة النيتروجين؛ وهذا يعني أنّ نشاط ذلك الكائن الدقيق تتأثر إذا كان الحديد المتوفر في المحيط قليل.
تواصلت "العين الإخبارية" مع المشرف الرئيسي على الدراسة، وأستاذ علم الأحياء البحرية والبيئية جامعة كاليفورنيا الجنوبية بالولايات المتحدة، الدكتور ديفيد أ. هاتشينز، الذي شرح في حواره مع "العين الإخبارية" الآليات التي اتبعوها في البحث؛ قائلًا: "أجرينا مقارنة بين معدلات أكسدة الأمونيا عبر نطاق 5 درجات مئوية؛ إذ تنتشر العتائق المؤكسدة للأمونيا (AOAs) على نطاق واسع في جميع الأنظمة المحيطة، وهذا يقع ضمن نطاق درجات الحرارة في المحيط الحالي (وهو يصل إلى 30 درجة مئوية من القطبين إلى المناطق الاستوائية".
العتائق، هي كائنات دقيقة وحيدة الخلية تشكل أحد نطاقات الحياة الثلاثة الرئيسية على الأرض إلى جانب البكتيريا وحقيقيات النوى.
ويُضيف: "بالطبع، هناك فروق مكانية كبيرة في تركيزات الحديد أيضا، من مستويات وفيرة إلى مستويات محدودة للغاية، وهذا يعني أن تفاعلات درجة الحرارة مع محدودية الحديد التي درسناها، لها آثار واقعية في ظل الظروف الموجودة في المحيط اليوم، وبما أن المحيط يشهد ارتفاعا في درجة حرارته؛ فإن تلك العلاقة ستتغير أيضا في المستقبل".
مع ذلك؛ فقد وجد الفريق البحثي من خلال تجاربهم ونماذجهم أنّ "العتائق المؤكسدة للأمونيا في بعض المناطق التي يُحتمل أنها تعاني من نقص شديد في الحديد اليوم، مثل المحيط القطبي الجنوبي، من المتوقع أنها ستُصبح أقل تأثرًا بهذا النقص مع استمرار ارتفاع درجات الحرارة في تلك المناطق خلال العقود القادمة، ما سيؤدي إلى تغييرات كبيرة في الجزء التأكسدي من دورة النيتروجين البحرية بأكملها؛ وزيادة معدلات أكسدة الأمونيا، كما يظهر في تجارب النمذجة التي أجريناها".
ويبدو أنّ ارتفاع درجات الحرارة إلى حد معين يزيد من كفاءة استخدام خلايا العتائق المؤكسدة للأمونيا؛ إذ يقول الدكتور هاتشينز: "إنّ تحليلاتنا للبروتيوم (Proteomics)، تُعطينا بعض التلميحات الجيدة حول الآليات البيولوجية أو الكيميائية الحيوية التي تسمح لهذا الميكروب بالحفاظ على نشاطه. مع ذلك، ما زلنا لا نعرف كل الآليات بعد؛ فالعديد من الأنظمة الإنزيمية الخلوية المهمة في خلايا العتائق المؤكسدة للأمونيا وأيضًا في ميكروبات أخرى، تحتوي على الحديد كعامل مساعد مهم، وقد أظهرت أعمالنا أنّ ارتفاع درجات الحرارة يجعل تلك الإنزيمات تعمل بصورة أسرع".
ويتابع: "مع ذلك؛ فإنّ الإنزيمات تعمل مستخدمة نفس كمية الحديد التحفيزي؛ لذلك فالنتجة النهائية أنّ تأثيرات ارتفاع درجات الحرارة (إلى حد معين!) يزيد من كفاءة استخدام الحديد في الخلية".
ويشرح هاتشينز عواقب ارتفاع درجات الحرارة عن حد معين؛ قائلًا: "إذا ارتفعت درجة حرارة العتائق المؤكسدة للأمونيا أكثر من اللازم وتجاوزت درجة الحرارة المثلى لنموها؛ فإنّ نموها ومعدلات أكسدة الأمونيا فيها سيتراجعان مع استمرار ارتفاع درجات الحرارة، وبالنسبة للنوع العتائق المؤكسدة للأمونيا التي درسناها، يبلغ هذا الحد الأقصى نحو 32 درجة مئوية".
ويطرح توقعاته؛ قائلًا: "أما في مناطق المحيطات المستقبلية التي ترتفع درجة حراراتها بصورة ملحوظة فوق هذا الحد؛ فمن المرجح انخفاض وفرة تلك الكائنات الدقيقة المؤكسدة للأمونيا. لذلك، تُشير هذه النتائج إلى أنّ الاحترار المفرط مستقبلًا في مناطق مثل المحيطات الاستوائية، قد يكون له تأثير معاكس للتأثير المحفز الذي نتوقعه في المناطق الأكثر برودة مثل في المحيطات المعتدلة وشبه القطبية".