شركات الاستثمار تراهن على الشرق الأوسط متجاوزة الحرب.. الإمارات تتصدر
يؤكد مديرو الأصول وصناديق التحوط توسعهم في الشرق الأوسط، متوقعين أن يكون اضطراب الأعمال الناتج عن الحرب الإيرانية مؤقتًا.
وأعلنت شركة ستيت ستريت، التي تدير أصولًا بقيمة 5.6 تريليون دولار، في أواخر يناير/كانون الثاني عن خطط لافتتاح مركز عمليات جديد في مدينة العين، أبوظبي، قبل أسابيع من شنّ الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات على إيران.
وقال يورغ أمبروسيوس، رئيس خدمات الاستثمار في ستيت ستريت، لصحيفة فايننشال تايمز: "سنمضي قدمًا في خطتنا، التزامنا تجاه المنطقة ثابت لا يتغير".
وأشار إلى أن ستيت ستريت لديها بالفعل مقر إقليمي في المملكة العربية السعودية ومكاتب في أبوظبي وسلطنة عمان، وأضاف: "ما زلنا متفائلين جدًا بشأن آفاق الشرق الأوسط على المدى المتوسط والطويل".
وافتتحت شركة بارتنرز كابيتال، وهي شركة إدارة أصول بريطانية بقيمة 75 مليار دولار متخصصة في الأوقاف والمكاتب العائلية، أول مكتب لها في أبوظبي يوم الاثنين.
وقال أرجون راغافان، الرئيس التنفيذي لشركة بارتنرز، "أعتقد أننا نضاعف جهودنا، ولن نتراجع على الإطلاق".
وأضاف، "مجرد وقوع هذا الصراع لا يعني أن أربعين عامًا من التخطيط، وخاصة في العقد الأخير، ستذهب سدىً، إذا ظهرتم بمظهر السائح في المنطقة، فلا أعتقد أنكم ستنجحون".
وكانت شركة "ستيت ستريت آند بارتنرز" من بين عدد قليل من مديري الاستثمار الذين أكدوا التزامهم بالتوسع في الشرق الأوسط في مقابلات مع صحيفة "فايننشال تايمز"، بحجة أن المستثمرين العالميين سيتغاضون عن التوترات الجيوسياسية، وأن الفرص قد تعززت بسبب تجنب منظمات أخرى للمنطقة أو إبطاء خططها.
ويأتي هذا التفاؤل في الوقت الذي دخلت فيه الحرب الأمريكية الإسرائيلية في إيران شهرها الثالث، وسط قلق من تصاعد أزمة الطاقة، مما زاد المخاوف بشأن التضخم وصحة الاقتصاد العالمي.
وفي الأسبوع الماضي، ألقى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بظلاله على الآمال الهشة في التوصل إلى حل للحرب، مصرحًا بأن وقف إطلاق النار مع إيران "على وشك الانهيار".
ومع ذلك، صرّح ريتشارد شيميل، المؤسس المشارك والرئيس المشارك للاستثمار في صندوق التحوّط "سينكتيف كابيتال"، بأن شركته استأجرت مكتبًا في أبوظبي مطلع مارس/آذار، وأن لديه خطة متعددة السنوات للتوسع في المنطقة.
ويعتزم شيميل زيارة المنطقة مجددًا في وقت لاحق من هذا الشهر.
وقال، "هناك من يهرب، وهناك من يستثمر بكثافة، أنا من المستثمرين بكثافة، بصراحة، لم يكن الأمر محل نقاش بالنسبة لي".
وقد أصبح الشرق الأوسط مركزًا رئيسيًا لجمع التمويل في السنوات الأخيرة، ووفق تقرير نشرته عبر موقعها الرسمي، توقعت شركة ديلويت العام الماضي أن تصل قيمة صناديق الثروة السيادية في الخليج إلى 18 تريليون دولار بحلول عام 2030.
وترى بعض شركات الاستثمار في إنشاء مكاتب في المنطقة وسيلةً لتعزيز سمعتها وجذب رؤوس أموال جديدة من أصحاب الثروات الطائلة في العالم.
وقال أمبروسيوس من شركة ستيت ستريت إنه بينما كان مستثمرو الشرق الأوسط في الماضي يبحثون عن فرص استثمارية في الخارج، "فإنهم الآن يتواصلون بنشاط كبير مع المستثمرين العالميين للنظر في الاستثمار في المنطقة".
الإمارات نموذج استثنائي
ويظهر هذا التوجه بوضوح في المشهد المالي لدولة الإمارات العربية المتحدة، التي باتت تشهد تدفقات نوعية من كبرى شركات إدارة الأصول وصناديق التحوط العالمية.
هذه المؤسسات والشركات تترجم ثقتها عبر توسع استراتيجي طويل الأجل وافتتاح مكاتب وعمليات جديدة، مدفوعة بالنمو القياسي لأحجام الأصول تحت الإدارة وتضاعف عدد الرخص النشطة والصناديق المُدارة، لتقفز المؤشرات المالية بنسب استثنائية تؤكد العمق والزخم الذي يشهده القطاع المالي الإماراتي.
أكد الدكتور كريم العمدة، أستاذ الاقتصاد الدولي، أن تدفق صناديق التحوط العالمية وشركات إدارة الأصول الكبرى نحو دولة الإمارات ليس وليد الصدفة، بل يعود إلى مزيج من العوامل الاقتصادية المباشرة والمحفزات الجيوسياسية غير المباشرة التي جعلت من الدولة الوجهة الاستثمارية الأبرز في المنطقة.
وأوضح العمدة لـ"العين الإخبارية"، أن الأسباب الظاهرة تتمثل في قوة ومرونة الاقتصاد الإماراتي؛ حيث توفر الدولة مناخاً استثمارياً ممتازاً يتميز بحرية تامة في حركة رؤوس الأموال والعملات الصعبة، ما يتيح للمستثمرين سهولة الدخول والخروج من الأسواق دون قيود.
وأضاف أستاذ الاقتصاد الدولي، أن بيئة الأعمال في الإمارات تتسم بالتنافسية العالية، والسهولة في ممارسة الأعمال، والانفتاح الكامل على العالم الخالي من القيود على الأجانب، بما في ذلك حق التملك بنسبة 100%، ما يعكس تصدر الإمارات للمؤشرات العالمية المرتبطة بالاقتصاد، والمعرفة، والشفافية، والحرية الاقتصادية.
وأشار إلى أن معدلات العائد على الربحية في الإمارات تعد من بين الأعلى عالمياً، مدعومة بوجود صناديق سيادية إماراتية ضخمة تستثمر في الداخل والخارج، وتفتح آفاقاً واسعة للشراكة مع صناديق المال العالمية.
كما أشاد بالتنوع الاقتصادي الكبير في الدولة، والذي لم يعد يقتصر على النفط والغاز، بل امتد ليشمل قطاعات حيوية مثل التكنولوجيا، والبحث العلمي، والقطاع المالي، وتكنولوجيا الاتصالات والمعلومات، بالإضافة إلى قطاعي الصحة والتعليم.
استقطاب كبار المستثمرين
أبرز تقرير الإحصاءات الرسمية لعام 2026 استمرار تدفق المؤسسات المالية العالمية إلى سوق أبوظبي العالمي، مع انضمام عدد من أبرز شركات إدارة الأصول والاستثمار، من بينها كابيتال غروب، ومان غروب، وبارينغز، وباين كابيتال، وهيلهاوس إنفستمنت، وموزينيك آند كو، وماديسون ريالتي كابيتال، وغرو إنفستمنت غروب، وهي جهات تدير أصولاً بمليارات وتريليونات الدولارات.
كما افتتحت شركات أخرى، مثل روكوس كابيتال مانغمنت وبوليغرين هولدينغز وهاشد، فروعاً لها في المركز، ما عزز تنوع المنظومة المالية لتشمل صناديق التحوط والاستثمارات البديلة والأصول الرقمية.
وعلى صعيد النمو المؤسسي، ارتفع عدد شركات الخدمات المالية العاملة في المركز إلى 365 شركة خلال الربع الأول من 2026، مقارنة بـ281 شركة في الفترة نفسها من عام 2025، بنمو بلغ 30%. كما أصدرت سلطة تنظيم الخدمات المالية 22 موافقة مبدئية، ومنحت 29 ترخيصاً جديداً لمزاولة الأنشطة المالية، بزيادة 45% على أساس سنوي. ورافق هذا التوسع نمو قوي في القوى العاملة، إذ ارتفع عدد الموظفين إلى 47,047 موظفاً، بزيادة 44% مقارنة بالعام السابق.