إيران المنقسمة.. تآكل مركزية القرار يعمق أزمة النظام (خبيرة أمريكية)
مؤشرات متزايدة على اتساع التباينات داخل مراكز القوة بإيران، بعد الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل وما تبعها من ضغوط أمنية واقتصادية وسياسية متصاعدة.
وبينما تحاول طهران إظهار صورة التماسك، تكشف التحركات المتناقضة والتصعيد المستمر مع دول الجوار رغم وقف إطلاق النار عن صراع نفوذ يتجاوز الخلافات التقليدية بين التيارات السياسية، ليصل إلى طبيعة توزيع السلطة داخل النظام نفسه.
فمع تراجع نفوذ المؤسسات التقليدية، بات "الحرس الثوري" اللاعب الأكثر تأثيرا في إدارة الملفات الداخلية والخارجية، وسط مؤشرات على صراع مكتوم بين أجنحة تسعى لحماية مصالحها وترتيب شكل السلطة في المرحلة المقبلة.
وفي موازاة الضغوط الداخلية، يواصل النظام الإيراني توظيف الفوضى والتوترات الخارجية كوسيلة لاحتواء الأزمات وتعزيز القبضة الأمنية، عبر وتيرة متسارعة من القمع وأحكام الإعدام بحق المعارضين.
صراع مكتوم
وترى الخبيرة الأمريكية المختصة في الشؤون الاستراتيجية، إيرينا تسوكرمان، في حديث لـ«العين الإخبارية»، أن تصاعد الحديث عن الانقسامات داخل النظام الإيراني بات أكثر وضوحاً بعد المواجهة مع إسرائيل، في ظل الضغوط التي ظهرت داخل المؤسسة الأمنية وتضارب الرسائل الصادرة من طهران.
وأوضحت أن إيران لا تدار وفق نموذج الدولة التقليدية، بل عبر بنية هجينة تسمح بتداخل الصلاحيات وتنافس الأجهزة، بما يخلق حالة دائمة من الصراع المكتوم بين مكونات السلطة، لافتة إلى أن الانقسامات داخل النخبة الحاكمة تتعلق بحسابات النفوذ، والبقاء الاقتصادي، وترتيبات ما بعد حقبة المرشد علي خامنئي، في وقت تتزايد فيه هيمنة الحرس الثوري على مفاصل الدولة.
هيمنة الحرس الثوري
وأشارت تسوكرمان إلى أن الحرس الثوري عزز نفوذه خلال السنوات الماضية مستفيداً من العقوبات والأزمات الاقتصادية، بعدما تمدد داخل قطاعات الاقتصاد والأمن والسياسة والاستخبارات، على حساب المؤسسات المدنية والدينية التقليدية، الأمر الذي أدى إلى تراجع نفوذ رجال الدين وتغول الأجهزة الأمنية داخل بنية الحكم.
ورأت أن التصنيفات الغربية المتداولة حول وجود “معتدلين” داخل إيران تفتقر إلى الدقة، لأن جميع التيارات المرتبطة بالنظام تلتقي عند هدف أساسي يتمثل في استمرار القبضة الأمنية، وأن ما يوصف أحياناً بالاعتدال لم يكن سوى أداة لتخفيف الضغوط والعقوبات أو إعادة التموضع السياسي، دون أي تغيير حقيقي في سلوك النظام أو أهدافه الإقليمية.
وأكدت أن الغياب المستمر للمرشد الجديد مجتبى خامنئي عن المشهد يعكس انتقالا للقرار الفعلي إلى المؤسسات الأمنية والعسكرية، وعلى رأسها الحرس الثوري، وأن المرشد بات دوره شرعنة القرارات ليس أكثر.
لكنها شددت في الوقت نفسه على أن الحرس ليس كتلة متجانسة، بل يشهد صراعات داخلية بين أجنحة أمنية واقتصادية وعسكرية، تفاقمت بعد الضربات التي تعرضت لها إيران خلال المواجهة الأخيرة مع إسرائيل.
افتعال أزمات خارجية
وبشأن عودة استهداف دولة الإمارات رغم مسارات التهدئة، أكدت أنها انتهاكات غير منطقية، خصوصا أن دول الخليج، وعلى رأسها الإمارات أكدت مرارا أهمية الحوار لحل الأزمة مع الولايات المتحدة وإسرائيل سواء في هجمات 2025 أو حرب 2026.
كما رأت أن التصعيد الخارجي غالباً ما يتزامن مع فترات الضعف الداخلي، إذ يلجأ النظام إلى افتعال أزمات خارجية لتشديد القبضة الأمنية واحتواء الغضب الداخلي، عبر تصوير أي معارضة باعتبارها امتداداً لـ”مؤامرات خارجية”، وهو ما يسمح بمزيد من عسكرة الدولة وتوسيع نفوذ الأجهزة الأمنية.
من يتخذ القرارات في إيران؟
من جانبها، تقول الخبيرة في الشؤون الإيرانية، والباحثة في جامعة حيفا، ثامار إيلام جيندين، إن الروايات المتضاربة حول حالة المرشد الجديد مجتبى خامنئي، والارتباك بشأن التسلسل القيادي في إيران، يثيران تساؤلات حول من يتخذ القرارات حاليا في طهران.
وفي حديثها مع إذاعة 103 إف إم الإسرائيلية، أضافت جيندين: "نتساءل منذ 28 فبراير/شباط عن صحة مجتبى. وتتغير الإجابة مع كل تسريب. وتتزايد الشائعات حول وفاته، وهو ما اعتقده الكثيرون منذ البداية".
وأشارت إلى أن التكهنات اشتدت بعد مراسم أقيمت في مدينة إيرانية صغيرة لتكريم "ضحايا الحرب"، حيث ورد أن صورته ظهرت بين الصور المعروضة.
مراكز قوة غير معلنة داخل النظام
وذهبت جيندين باعتقادها إلى إمكانية وجود جهات غير معروفة داخل النظام الإيراني قد تستخدم اسم خامنئي كغطاء لقرارات تُتخذ في أماكن أخرى، مضيفة: “هناك مجموعة غير واضحة الهوية تصدر تصريحات باسمه وتستخدمه كشرعية لقراراتها”.
ووصفت هذه الظاهرة بأنها جزء مما يُعرف بـ”الدولة العميقة” في إيران، حيث لا تزال آليات اتخاذ القرار غير شفافة.
وتابعت "الحرس الثوري يتصرف الآن بمفرده. الرئيس مسعود بزشكيان لم يكن على علم بذلك. هو ليس له تأثير فعلي، لكنه لا يزال موجودا".
ووفق جيندين، فإن بزشكيان غاضب لعدم تنسيق التحركات معه، معتبرة أن ذلك يعكس غياب التنسيق بين مركزي القوة السياسية والعسكرية في إيران.
تدهور داخلي ودعوة للتحرك السياسي
وتحدثت الخبيرة الإسرائيلية عن تصاعد الغضب الشعبي داخل إيران بسبب تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.
وقالت إن الوضع في طهران “صعب للغاية لا سيما الوضع الاقتصادي. إنهم ينتظرون أمرا للخروج. أنا على يقين أن الأمر مسألة وقت فقط قبل أن يفعلوا ذلك".
ورأت أن النظام ازداد وحشية مع ضعفه، مستشهدة بتسارع وتيرة الإعدامات والقمع الداخلي.