إيران بعد خامنئي.. نظام مرتبك وصراع صامت على «المرشد»
تواجه إيران واحدة من أكثر اللحظات حساسية في تاريخ نظامها السياسي، وسط مؤشرات على اضطراب داخلي متزايد، عقب الضربات الأمريكية الإسرائيلية التي استهدفت مواقع عسكرية ومراكز قيادة رئيسية داخل البلاد، بحسب مجلة نيوزويك الأمريكية.
الضربات أسفرت عن مقتل المرشد علي خامنئي وعدد من كبار المسؤولين العسكريين والأمنيين، في ضربة وُصفت بأنها الأكثر تأثيراً على هرم السلطة في إيران منذ عقود، الأمر الذي فتح الباب أمام فراغ قيادي غير مسبوق في وقت تخوض فيه البلاد مواجهة عسكرية مباشرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
ويرى محللون أن مقتل خامنئي وعدد من كبار القادة العسكريين يمثل ضربة غير مسبوقة لبنية النظام الإيراني، الذي يقوم على توازن معقد بين المؤسسة الدينية والحرس الثوري ومراكز القوى السياسية.
وبينما تحاول القيادة المؤقتة الحفاظ على تماسك الدولة وإدارة الحرب في الوقت نفسه، تشير الخلافات العلنية داخل النخبة الحاكمة إلى أن النظام يواجه اختباراً حقيقياً لقدرة مؤسساته على الصمود.
وفي ظل استمرار الضربات العسكرية وتصاعد التوتر الإقليمي، قد يشكل اختيار المرشد الجديد لحظة حاسمة في تحديد مستقبل النظام الإيراني، وما إذا كانت الأزمة الراهنة مجرد مرحلة انتقالية عابرة، أم بداية لتحولات أعمق في بنية السلطة داخل إيران.
وبحسب تقارير إعلامية غربية، جاءت العملية العسكرية بعد أشهر من تتبع استخباراتي مكثف لتحركات القيادة الإيرانية، حيث استُهدفت مواقع حساسة في طهران ومراكز عسكرية رئيسية، ما أدى إلى انهيار جزء من سلسلة القيادة داخل المؤسستين العسكرية والأمنية.
هذا التطور وضع النظام الإيراني أمام اختبار صعب، إذ باتت مسألة اختيار خليفة للمرشد قضية عاجلة تتداخل فيها الاعتبارات السياسية والدينية والأمنية، خاصة في ظل استمرار العمليات العسكرية في المنطقة.
ووفقاً للدستور الإيراني، تولى مجلس قيادة مؤقت إدارة شؤون البلاد بعد وفاة المرشد، ويتألف من ثلاثة شخصيات رئيسية هي الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان، ورئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إجي، ورجل الدين آية الله علي رضا عرفي، وذلك إلى حين انتخاب مرشد جديد من قبل مجلس خبراء القيادة.
غير أن هذه المرحلة الانتقالية تجري تحت ضغط كبير من المؤسسة الدينية والتيارات السياسية المختلفة، حيث يطالب رجال دين محافظون بالإسراع في اختيار زعيم جديد لإنهاء حالة الفراغ القيادي، في وقت تتواصل فيه الضربات العسكرية وتتسع دائرة المواجهة في المنطقة.
اعتذار نادر يثير الجدل
وفي تطور لافت، أثار خطاب للرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان جدلاً واسعاً داخل البلاد بعدما قدم اعتذاراً علنياً للدول المجاورة التي تعرضت لصواريخ إيرانية خلال الرد العسكري على الضربات الأمريكية الإسرائيلية.
وقال بيزشكيان في خطاب متلفز إن القوات المسلحة الإيرانية تصرفت في بعض الحالات "من تلقاء نفسها" بسبب غياب القيادة بعد مقتل كبار القادة، مؤكداً أن طهران لم تستهدف الدول المجاورة بل القواعد والمنشآت العسكرية الأمريكية في المنطقة.
غير أن هذا الاعتذار، الذي يعد نادراً في زمن الحرب، قوبل بانتقادات حادة من قبل التيار المتشدد في البرلمان الإيراني، حيث وصف النائب حامد رسائي خطاب الرئيس بأنه "ضعيف وغير مهني وغير مقبول علناً"، مطالباً بالإسراع في إنهاء عمل المجلس القيادي المؤقت واختيار مرشد جديد لحماية ما وصفه بـ"ثورة الإمام الخميني وإرث خامنئي".
وفي محاولة لاحتواء الجدل، أصدر بيزشكيان لاحقاً توضيحاً أكد فيه أن إيران لن تهاجم أي دولة ما لم تنطلق الهجمات منها أو تُستخدم أراضيها ومجالها الجوي لشن عمليات ضد إيران.
صراع داخلي حول الخلافة
ويرى مراقبون أن الجدل حول اعتذار الرئيس الإيراني يعكس انقسامات أعمق داخل النظام، خصوصاً في ظل النقاش المحتدم حول هوية المرشد الجديد.
وتشير تقديرات إلى أن مجلس خبراء القيادة، المؤلف من 88 عضواً، يواجه ضغوطاً متزايدة للإسراع في حسم مسألة الخلافة، وسط تداول أسماء عدة مرشحين محتملين، من بينهم مجتبى خامنئي، نجل المرشد الراحل، إلى جانب رجال دين بارزين داخل المؤسسة الدينية.
وفي هذا السياق، حذر الوزير الإيراني السابق عباس آخوندي من أن النقاشات الدائرة حول الخلافة تحمل "رائحة صراع على السلطة في زمن الحرب"، منتقداً ما وصفه بالجدل "المضلل والسام" في وقت تواجه فيه البلاد تحديات أمنية خطيرة.
كما رفض رجل الدين الإصلاحي رحمت الله بيغديلي الانتقادات الموجهة للمجلس القيادي المؤقت، مؤكداً أن الدستور لا يحدد مدة زمنية لصلاحياته وأن التشكيك في شرعيته يمثل تشكيكاً في مؤسسات النظام نفسها.
حرب إقليمية تتسع
تأتي هذه التطورات في ظل اتساع رقعة الحرب في المنطقة، حيث تبادلت إيران وإسرائيل الضربات الصاروخية، بينما استهدفت طهران قواعد عسكرية أمريكية في المنطقة إلى جانب مواقع في دول خليجية تستضيف قوات أمريكية.
كما دفعت التطورات العسكرية إسرائيل إلى إصدار أوامر إخلاء في بعض المناطق، فيما سارعت حكومات أوروبية إلى إرسال تعزيزات عسكرية إضافية إلى الشرق الأوسط تحسباً لتوسع النزاع، في وقت تستعد فيه الأسواق العالمية لموجة جديدة من عدم الاستقرار.
في المقابل، أكد مسؤولون أمريكيون أن الهدف من العمليات العسكرية ضد إيران هو إضعاف برنامجها النووي وقدراتها العسكرية، وليس تغيير النظام في طهران.
لكن تصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب أثارت جدلاً، إذ قال للصحفيين عندما سُئل عن مستقبل الحكم في إيران إن "معظم من كنا نفكر بهم قد ماتوا"، كما اعتبر لاحقاً أن اعتذار إيران لدول الجوار دليل على نجاح العملية العسكرية التي وصفها بـ"عملية الغضب الملحمي".
سباق مع الزمن لاختيار مرشد جديد
وفي ظل هذه التطورات، تتجه الأنظار إلى مجلس خبراء القيادة الذي يدرس اختيار مرشد جديد.
وذكرت وسائل إعلام إيرانية أن المجلس قد يجتمع لاتخاذ قرار حاسم خلال وقت قريب، فيما أعرب عضو المجلس آية الله حسين مظفري عن "أمل قوي" في أن يتم اختيار القائد الجديد خلال فترة قصيرة.