إيران أمام معضلة القيادة.. خيارات داخل النظام وخارجه
رغم «نجاح إيران في سحق» أحدث موجة احتجاجات كانت بمثابة «تهديد كبير للنظام»، إلا أن هذه «الانتفاضة الشعبية الواسعة»، أعادت تسليط الضوء بقوة على سؤال الخلافة.
وسواء جاء التغيير عبر الإطاحة أو بفعل التقدم في السن، فإن المرشد علي خامنئي، البالغ 86 عامًا، سيحتاج قريبًا إلى بديل، وقد أعادت تلك الاحتجاجات سؤال مسألة القيادة على المدى الطويل والتي لا تزال بعيدة عن الحسم، بحسب شبكة «إن بي سي نيوز» الأمريكية.
وقال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مقابلة مع مجلة «بوليتيكو» السبت: «حان الوقت للبحث عن قيادة جديدة في إيران».
كما كشفت الاضطرابات الأخيرة عمق الانقسامات داخل صفوف المعارضة الإيرانية، وكذلك داخل النظام الديني الحاكم وأجهزته الأمنية، مما يعني أن «إيران لا تملك وريثًا واضحًا في الأفق، وأن أي انتقال بعيدًا عن القيادة التي حكمت البلاد لما يقرب من خمسين عامًا سيكون على الأرجح معقدًا وغير سلس»، بحسب الشبكة الأمريكية.
وقالت إيلي جيرانمايه، الباحثة البارزة في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، لشبكة «إن بي سي نيوز»: «إذا سلكت إيران مسار الثورة، فإنها ستشهد نوعًا من ثورنة البلاد، وسيكون ذلك دمويًا للغاية».
اضطرابات بلا قيادة
ويعاني الاقتصاد الإيراني، المنهك بالعقوبات، من أزمة دائمة، وتشير الاحتجاجات المتكررة وتراجع نسب المشاركة في الانتخابات إلى أن «النظام غير شعبي إلى حد كبير، وأن كثيرًا من الإيرانيين يريدون استبداله بديمقراطية علمانية»، بحسب باربرا سلافين، الباحثة البارزة في مركز «ستيمسون» للأبحاث في واشنطن. لكنها أضافت أن «المشكلة تكمن في غياب معارضة منظمة».
وخلال الأسابيع الأخيرة، خرج آلاف الإيرانيين إلى الشوارع في مدن مختلفة، غير أن ما يبدو دورة لا تنتهي من الاحتجاجات — أعوام 2009 و2019 و2022–2023، والآن 2025–2026 — فشل حتى الآن في تحويل الحراك الجماهيري إلى نتائج سياسية ملموسة.

وتضم الساحة شخصيات إصلاحية ليبرالية، مثل الناشطة الحقوقية والحائزة جائزة نوبل للسلام نرجس محمدي، ورئيس الوزراء الأسبق مير حسين موسوي، ونائب وزير الداخلية السابق مصطفى تاجزاده.
إلا أن جميع هؤلاء إما يقبعون في السجون أو يخضعون للإقامة الجبرية. وقالت سلافين إن النظام «أجاد قمع المعارضة عبر سجن المعارضين أو دفعهم إلى المنفى».
بدائل مطروحة
يُعد رضا بهلوي، الذي يصف نفسه بـ«ولي العهد»، أبرز الأسماء المتداولة، وقد أمضى معظم حياته في المنفى بالولايات المتحدة. وهو نجل شاه إيران السابق، الذي دعم حكمه الاستبدادي لعقود انقلاب رعته وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، قبل أن يُطاح به خلال عام 1979.
ويطرح بهلوي نفسه بوصفه شخصية انتقالية تقود إيران نحو الديمقراطية.
وقال في مؤتمر صحفي الجمعة: «أعتقد أن الشعب الإيراني عبر بالفعل وبأعداد كبيرة عمن يريد أن يقوده في هذه المرحلة الانتقالية».

وكانت «إن بي سي نيوز» قد سمعت هذا الطرح مباشرة العام الماضي خلال لقاء في باريس نظمته مجموعة صغيرة من المؤسسات الإعلامية بدعوة من بهلوي، حيث قال: «لا أسعى إلى السلطة السياسية»، بل إلى قيادة بلاده «على طريق السلام والانتقال الديمقراطي».
ويحظى بهلوي بشعبية بين أنصار الملكية في الشتات الإيراني، وكثير منهم وُلد بعد سقوط حكم والده ولا يتذكر جهاز «السافاك»، الشرطة السرية سيئة السمعة التي استخدمها الشاه لسجن وتعذيب معارضيه.
ويبدو أن هناك جهودًا منسقة لتعزيز حضور بهلوي عبر الإنترنت، إذ أظهرت مقاطع احتجاجات حللتها «إن بي سي نيوز» أن الصوت فيها عدل لإضافة شعارات مؤيدة له.
ورفعت صوره بالفعل في بعض التظاهرات، غير أن قياس حجم دعمه الحقيقي داخل البلاد يظل صعبًا في ظل غياب استطلاعات رأي موثوقة وإعلام مستقل.
وقال إليوت أبرامز، المبعوث الخاص لترامب إلى إيران خلال ولايته الأولى، والباحث حاليًا في مجلس العلاقات الخارجية: «إن بروز بهلوي الجديد هو نتاج طبيعي لكراهية الشعب الإيراني للنظام».
وأضاف: «عندما يظهر على شاشة التلفزيون مرتديًا قميصًا أبيض وربطة عنق وبذلة رسمية، فإنه يجسد نمط الحياة الحديثة التي يتطلع إليها الإيرانيون. وهذا لا يعني أن الناس يريدون عودة الملكية، حتى ولو كانت دستورية، لكنه يمتلك بلا شك قاعدة دعم وقد يكون له دور».
عقبات
غير أن إحدى العقبات أمام بهلوي تتمثل في تقييم فاتر من ترامب نفسه.
فقد قال ترامب لوكالة «رويترز» هذا الأسبوع: «يبدو شخصًا لطيفًا جدًا، لكنني لا أعرف كيف سيكون أداؤه داخل بلاده». وأضاف: «إذا قبله الإيرانيون، فلا مانع لدي».
وتعرض الأمير المنفي لانتقادات بسبب ما اعتُبر دعمًا منه للضربات الإسرائيلية ضد بلاده، كما وصف هذا الشهر حملة القمع ضد المحتجين بأنها «حرب»، وهو توصيف قال منتقدون إنه قد يضفي شرعية على عمليات القتل.
وفي نهاية المطاف، يرى كثير من الإيرانيين أن مستقبل البلاد يجب أن يصنعه من يعيشون داخلها، لا أبناء الشتات.
وقال أليكس فاتانكا، الباحث البارز في معهد الشرق الأوسط بواشنطن، إن شخصيات مثل بهلوي، الغائبة عن المشهد منذ نصف قرن، «ليست في موقع يؤهلها لإحداث تغيير حاسم». وأضاف: «يمكنهم القيام بالكثير، لكنهم ليسوا في الشوارع يقاتلون».
هل من طريق آخر؟
إذا بقي خامنئي في الحكم حتى وفاته، فقد ينقل السلطة إلى نجله مجتبى خامنئي (56 عامًا)، الذي نادرًا ما يظهر علنًا.
وكان مجتبى ضمن تسعة من الدائرة المقربة للمرشد الأعلى فرضت عليهم وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات عام 2019، ويُنظر إليه على أنه لعب دورًا في حملات قمع عنيفة سابقة.
لكن مدى الدعم الذي يحظى به بين كبار رجال الدين لا يزال غير واضح، خصوصًا أن كثيرًا منهم أعضاء في مجلس خبراء القيادة، الهيئة المخوّلة باختيار المرشد الأعلى المقبل.
وتُعد قوات الحرس الثوري الإيراني أقوى قوة عسكرية وسياسية واقتصادية في البلاد، رغم أنها فقدت قادتها الكبار خلال حرب الـ12 يومًا مع إسرائيل الصيف الماضي.

ويرى محللون أنه إذا تمكن الحرس الثوري من تجاوز الاضطرابات الحالية دون أن يتفكك، فقد يعيد ترتيب صفوفه للحفاظ على مصالحه الاقتصادية الواسعة، مع السماح بوجود مرشد أعلى جديد ذي دور بروتوكولي إلى حد كبير.
وقال عباس ميلاني، مدير برنامج الدراسات الإيرانية في جامعة ستانفورد، في مقابلة هاتفية: «الحرس الثوري أصبح اليوم، قبل أي شيء آخر، شركة ضخمة. هم يريدون الحفاظ على ما يملكونه وحمايته».
ومع ذلك، هناك شخصيات أخرى داخل النظام قد تطمح إلى خلافة المرشد، فقد كان إبراهيم رئيسي، الرئيس الذي قُتل في حادث تحطم مروحية عام 2024، يُنظر إليه على نطاق واسع بوصفه تلميذًا للمرشد ومرشحًا محتملاً لخلافته.
كما يُتداول اسم علي شمخاني، مستشار المرشد الأعلى، ورئيس البرلمان المتشدد محمد باقر قاليباف، وعلي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، ضمن الأسماء المطروحة.
وقال باتريك كلاوسون، الباحث البارز في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى: «سيواجه هؤلاء معارضة داخلية كبيرة، لكنهم في المقابل يمتلكون عددًا وافرًا من الحلفاء داخل المنظومة».
وقد لا تمثل أدوارهم في نظام قمعي عائقًا أمام ترامب، الذي لم يتردد في عقد قمم مع زعماء منبوذين مثل كيم جونغ أون في كوريا الشمالية وفلاديمير بوتين في روسيا.
وأضاف كلاوسون: «هناك كل الأسباب للاعتقاد بأنه سيتعامل مع قائد جديد يمكنه إلقاء اللوم كله على الطاقم السابق».
aXA6IDIxNi43My4yMTYuNTYg جزيرة ام اند امز