مسار مزدوج.. ترامب يدرس التفاوض مع إيران ويده على الزناد
في وقت يميل فيه الرئيس دونالد ترامب حاليًا إلى تفويض ضربات عسكرية جديدة ضد إيران، يدرس البيت الأبيض عرضا إيرانيا أخيرًا للدخول في مسار دبلوماسي يهدف إلى كبح برنامجها النووي.
هذا ما أكده مسؤولون أمريكيون، في تصريحات لصحيفة «وول ستريت جورنال»، مشيرين إلى أن بعض كبار مساعدي الإدارة الأمريكية، بقيادة نائب الرئيس جيه دي فانس، يحثّون ترامب على إعطاء الدبلوماسية فرصة قبل الرد على إيران بسبب مقتل محتجين خلال انتفاضة استمرت أسبوعين على خلفية اقتصاد متعثر وقمع النظام.
وفي حديثه للصحفيين الأحد على متن الطائرة الرئاسية «إير فورس وان»، قال ترامب إن طهران بعثت برسالة إلى واشنطن قبل يوم تُبدي فيها استعدادها للدخول في مفاوضات بشأن برنامجها النووي المستمر منذ سنوات، والذي تسعى الولايات المتحدة إلى تقييده.
خيارات قوية
وأضاف ترامب أن «اجتماعًا يجري ترتيبه»، مشيرًا -في الوقت نفسه- إلى أن الولايات المتحدة لا تزال تدرس «خيارات قوية جدًا» قد يجيزها قبل بدء أي محادثات.
وقد تشمل الخيارات:
- إصدار أوامر بشن ضربات عسكرية على مواقع للنظام
- إطلاق هجمات إلكترونية
- إقرار عقوبات جديدة
- تعزيز الحسابات المناهضة للنظام على الإنترنت.
وبحسب مسؤولين، لم يتخذ ترامب قرارًا نهائيًا بعد بشأن خطوته المقبلة، ومن المقرر أن يلتقي الثلاثاء بكبار مساعديه لتحديد نهجه.
وأعرب بعض المسؤولين عن مخاوف من أن تؤدي الضربات العسكرية الأمريكية إلى تغذية دعاية النظام التي تزعم أن الولايات المتحدة وإسرائيل تديران الاحتجاجات سرًا.
وتُعد الاحتجاجات، التي بدأت في أواخر ديسمبر/كانون الأول وتصاعدت منذ 8 يناير/كانون الثاني مع مظاهرات كبرى في مدن رئيسية، تحديًا وجوديًا محتملًا للنظام الإيراني الذي وصل إلى السلطة عبر ثورة 1979.
وتقول جماعات حقوقية إن مئات الأشخاص قُتلوا خلال حملة قمع النظام للمتظاهرين. وبثّ التلفزيون الإيراني الرسمي الأحد لقطات تُظهر سقوط أعداد كبيرة من الضحايا داخل مشرحة قرب طهران وفي محيطها.
وقال مسؤولون إن ترامب يميل حاليًا إلى مهاجمة إيران، لكنه قد يغيّر موقفه تبعًا للتطورات داخل البلاد والنقاشات مع مساعديه. وأشار بعضهم إلى أن ترامب قد يضرب أولًا ثم يسعى إلى محادثات جادة مع طهران لاحقًا، وهو ما بدا أنه ألمح إليه الأحد بقوله: «قد نضطر إلى التحرك بسبب ما يحدث قبل الاجتماع».
ضربة لإيران؟
ووفق شخص مطّلع على تفكير نائب الرئيس، فإن فانس—الذي يعارض عمومًا الانخراط في نزاعات—لا يزال منفتحًا على توجيه ضربة لإيران، معتبرًا أنها تشكل تهديدًا للولايات المتحدة.
وكان فانس متشككًا في البداية حيال قصف إيران خلال مناقشات جرت في يونيو/حزيران الماضي، قبل أن يأمر ترامب بشن هجمات على مواقع نووية إيرانية في فوردو ونطنز وأصفهان.
ويشير مسؤولون إلى أن الولايات المتحدة لا تمتلك حاليًا حاملة طائرات في الشرق الأوسط، إلا أن ترامب لا يزال قادرًا على نشر قاذفات وطائرات مقاتلة تابعة لسلاح الجو أو أصول بحرية لضرب إيران.
وقد هدّد كبار المسؤولين الإيرانيين بمهاجمة القوات الأمريكية ردًا على أي هجوم أمريكي، وهي تهديدات يقول مسؤولون إنها ما زالت في إطار الخطاب، لكنها تحمل بعض الجدية.
ورغم تراجع قدرات إيران الصاروخية بعيدة المدى بفعل ضربات أمريكية وإسرائيلية العام الماضي، فإن طهران لا تزال تمتلك ترسانة كبيرة من الصواريخ قصيرة المدى، بحسب أحد المسؤولين.
رسائل إيرانية
ويوم الإثنين، قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إن بلاده «مستعدة للتفاوض، لكن ينبغي أن تكون هذه المفاوضات عادلة، وبحقوق متساوية، وقائمة على الاحترام المتبادل».
وأضاف أنه إذا لم تكن مثل هذه المحادثات ممكنة، فإن إيران «مستعدة تمامًا للحرب». كما أكد عراقجي أنه تواصل خلال عطلة نهاية الأسبوع مع المبعوث الأمريكي الخاص ستيف ويتكوف سعيًا لعقد اجتماعات مع الإدارة.
ويشكك بعض المسؤولين الأمريكيين في جدية إيران بشأن إنهاء برنامجها النووي، ويبلغون ترامب أن طهران ربما تسعى لكسب الوقت وتجنّب الضربات الجوية الأمريكية والحفاظ على شرعيتها رغم الاضطرابات الشعبية الواسعة.
وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت إن ترامب يفضّل عمومًا الحلول الدبلوماسية، لكنه يبقى منفتحًا دائمًا على استخدام القوة العسكرية. وأضافت في بيان: «الحقيقة أنه فيما يتعلق بإيران، لا أحد يعرف ما الذي سيفعله الرئيس ترامب سوى الرئيس ترامب نفسه. ويمكن للعالم أن يواصل الانتظار والتخمين».
وأضافت ليفيت لاحقًا الإثنين أن الرسائل العلنية المتشددة الصادرة عن إيران تختلف عن اتصالاتها الخاصة، قائلة: «لدى الرئيس مصلحة في استكشاف تلك الرسائل».
وكان ترامب، بعد اتخاذه قرارًا بمهاجمة المواقع النووية الإيرانية الصيف الماضي، قد حدّد مهلة أسبوعين للتفاوض مع طهران قبل أن يشن الضربات بعد ساعات فقط.
وقدّم مساعدون إحاطات لترامب حول فوائد ومخاطر استئناف المفاوضات النووية مع إيران. وانتهت خمس جولات سابقة من المحادثات الربيع الماضي بعد أن انضمت الولايات المتحدة إلى إسرائيل في قصف ثلاثة من مواقع إيران النووية الرئيسية.
وقال شخص مطلع إن كبار المسؤولين، بينهم فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو، عقدوا اجتماعًا الجمعة لإعداد خيارات تُعرض على الرئيس.
أوراق ضغط
ويرى بعض المسؤولين أن ترامب يمتلك أوراق ضغط واضحة على النظام، في ظل واحدة من أكبر الاحتجاجات منذ سنوات، وتراجع نفوذ وكلاء إيران الإقليميين مثل «حماس» و«حزب الله» عقب صراعاتهم مع إسرائيل بعد هجمات 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وقد تمكّن الولايات المتحدة من انتزاع شروط مواتية في أي تفاوض لإنهاء العمل النووي الإيراني. غير أن المحادثات قد تضفي شرعية على الحكومة الحالية في وقت يقول فيه ترامب إنه يدعم المحتجين، بحسب المساعدين.
وكانت إدارة ترامب قد سعت الربيع الماضي إلى إقناع طهران بالتخلي عن برنامج تخصيب اليورانيوم—الحاسم لإنتاج سلاح نووي—مقابل تخفيف بعض العقوبات. إلا أن طهران تصرّ منذ عقدين على مواصلة التخصيب، وهو موقف كرّره المسؤولون الإيرانيون في الأسابيع الأخيرة.
ويقول مسؤولون أيضًا إن على ترامب تنفيذ تهديداته المتكررة بمهاجمة إيران إذا استمرت في إيذاء المحتجين، وإلا فإنه يخاطر بتضرر سمعته. ومع ذلك، تظل المخاطر كبيرة، من بينها هجمات إيرانية على القوات الأمريكية في المنطقة. كما ليس من الواضح أن الضربات الجوية ستوقف فورًا قمع الاحتجاجات، ما قد يضع ترامب أمام خيار توسيع الهجمات أو إنهائها دون إخضاع النظام.
صفقة؟
ويشير بعض المساعدين والمحللين إلى خيار ثالث أقل مخاطرة: أن يتجنب ترامب الضربات العسكرية القاسية ويؤجّل المحادثات طالما استمرت الاحتجاجات، ثم يستغل ضعف النظام وحاجته لتحسين الأوضاع الاقتصادية للدفع نحو صفقة.
وقال فانس للصحفيين الخميس الماضي: «النظام الإيراني لديه كثير من المشكلات. وأذكى ما كان ينبغي عليهم فعله—وكان صحيحًا قبل شهرين ولا يزال صحيحًا اليوم—هو الدخول في مفاوضات حقيقية مع الولايات المتحدة حول ما نحتاج إلى رؤيته فيما يتعلق ببرنامجهم النووي».
وحتى الآن، لم ينشق أي مسؤولين حكوميين أو عسكريين بارزين أو يعلنوا معارضتهم للقيادة، رغم تصاعد حملة القمع. ومع صعوبة الحصول على معلومات موثوقة من إيران في ظل انقطاع الإنترنت على مستوى البلاد، يقول ناشطون إن المستشفيات تمتلئ بآلاف الجرحى.
وعلى الرغم من الضغط الشعبي والضغط الأمريكي، لا توجد مؤشرات تُذكر على أن حكّام إيران على وشك فقدان السلطة. وقالت سوزان مالوني، الخبيرة في الشأن الإيراني ومديرة برنامج السياسة الخارجية في معهد بروكينغز بواشنطن: «سينكفئ النظام على نفسه، أضعف وأكثر عزلة دوليًا، لكنه في الوقت ذاته أكثر استعدادًا للمخاطرة في التعامل مع الولايات المتحدة وأكثر تهديدًا في الداخل. وحتى إن حدث بعض التصدع بعد القمع، فإن نواة النظام بات لديها حافز أكبر للتماسك».
aXA6IDIxNi43My4yMTYuNDMg جزيرة ام اند امز