سلطة متعددة الرؤوس.. مآلات الصراع الداخلي في إيران (خاص)
فوق أرض تتآكل ببطء من تحت أقدامها؛ تسير إيران مثقلة بصراعات داخلية، وقرار سياسي يتشظى بين غرف مغلقة لا يجمعها مركز واضح أو رؤية موحّدة.
في هذا المشهد، تتقدم لغة القوة على حساب السياسة، وتتحول أدوات الحكم إلى وسائل لإدارة الأزمات لا حلّها، فيما تتراكم الضغوط الاقتصادية والاجتماعية بوتيرة تُضعف قدرة النظام على احتواء تداعياتها.
وبين سلطة تتجه نحو مزيد من الانغلاق، وداخل يزداد احتقانًا، تبدو إيران أمام مسار مفتوح على سيناريوهات قاسية، قد لا تقف عند حدود الاضطراب، بل تمتد إلى إعادة تشكيل النظام أو تفككه من الداخل.
وفي هذا الإطار، أكد خبيران تحدثا لـ«العين الإخبارية» أن إيران لم تعد تُدار بتوازن تقليدي بين السياسة والعسكر، بل بات الحرس الثوري الطرف الأكثر هيمنة على القرار، في ظل تراجع واضح لدور المؤسسات المدنية.
ويرى الخبيران أن الصراع بين التيار المتشدد والتيار الإصلاحي ليس جديدًا، لكنه دخل مرحلة أكثر حدة مع اندلاع الحرب، حيث أصبح أكثر وضوحًا وتنظيمًا، مع وجود معسكرين متقابلين داخل النظام.
في المقابل، يتفق الطرفان على أن هذا الانقسام يتعمق تدريجيًا مع تزايد الضغوط الاقتصادية وتصاعد كلفة الحرب، ما يضعف قدرة النظام على إنتاج قرار متماسك وقد يقود إلى نهايته.
الحرس الثوري.. نفوذ يتسع
في هذا السياق، يقول عمرو أحمد، خبير الشؤون الإيرانية في المنتدى الاستراتيجي للفكر والحوار، إن إيران تمر بأزمة كبيرة جدًا بعد مقتل عدد كبير من قياداتها، وهو ما انعكس بشكل مباشر على المشهد السياسي، حيث لم يعد حاضرًا بقوة سوى فصيل الحرس الثوري، الذي يمثل التيار الأكثر تشددًا.
ويؤكد أن هذا التيار لا يدرك أبعاد السياسة، ولا مفهوم حسن الجوار، ولا حتى مفهوم الصبر الاستراتيجي الذي كان هناك قدر منه لدى القادة الذين تم قتلهم، سواء في حرب الـ12 يومًا أو في الحرب السابقة.
ويشير إلى أن إيران تحاول إظهار وجود تنوع في الأصوات الداخلية، لكن الواقع مختلف، لافتا إلى أن ما حدث عندما أعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التوجه إلى مفاوضات إسلام آباد، قوبل بهجوم شديد من التيارات الأصولية والمتشددة، وهو ما يعكس طبيعة الصراع داخل النظام.
ويرى أن هذا المشهد يعكس وجود انقسام، ويضرب مثالًا بتصريحات محسن رضائي، المستشار العسكري للمرشد الإيراني، التي تحدث فيها عن عدم قدرة إيران على تحمل استمرار الحصار الأمريكي، موضحًا أن هذه التصريحات لم تكن مجرد توصيف للأزمة، بل كانت تهدف إلى تهيئة التيار المتشدد لقبول فكرة التفاوض.
ويؤكد أن هذا التحول جاء بعد رفض واضح من التيارات المتشددة لفكرة التفاوض، رغم أن الواقع الاقتصادي يفرض ذلك، مشددًا على أن إيران في أمسّ الحاجة إلى هذا المسار في ظل الضغوط المتزايدة.
ويقول إن الحصار يمثل عامل ضغط رئيسيًا، موضحًا أن إيران تخسر يوميًا، وأنه لو تم فرض الحصار منذ البداية دون استخدام القوة العسكرية، لكانت طهران قد استجابت سريعًا.
ويوضح أن الإنتاج النفطي الإيراني يتراوح بين 3 إلى 3.5 مليون برميل يوميًا، يتم استهلاك نحو 1.8 إلى 2 مليون برميل منها داخليًا، ما يترك فائضًا يتراوح بين مليون إلى مليون ونصف برميل يوميًا، وهو ما يمثل معضلة في ظل صعوبة تصديره مع الحصار الأمريكي.

صراع الأجنحة
من جانبه، يؤكد الدكتور علي عاطف، الباحث في الشؤون الإيرانية، أن هناك صراعًا داخل النظام الإيراني، وهو صراع قائم بالفعل حتى قبل اندلاع الحرب التي بدأت في 28 فبراير/شباط الماضي، موضحًا أنه صراع مستدام بين التيار المتشدد والتيار الإصلاحي.
هذا الصراع تعزّز بشكل واضح بعد اندلاع الحرب، وفق عاطف، خاصة مع تصاعد التنافس بين الحرس الثوري، الذي يمثل رأس التيار المتشدد، وبين الجناح الإصلاحي الذي يقوده الرئيس مسعود بزشكيان.
ويشير إلى أن الحرس الثوري بات يمتلك الكلمة الفصل في إيران في الوقت الحالي، خاصة بعد مقتل المرشد السابق، حيث أصبح صاحب اليد العليا والقرار النهائي داخل الدولة.
ويمثل التيار الإصلاحي جناحًا مختلفًا في التوجهات، لكن هذه الخلافات ليست جذرية بالكامل، بل تدور حول آليات إدارة الملفات وليس حول تغيير بنية النظام وأهدافه، وفق عاطف.
الداخل الإيراني.. ضغط معيشي وغضب متصاعد
وفي قراءة للوضع الداخلي، يشير عاطف إلى أن الأوضاع الاقتصادية والمعيشية كانت متدهورة قبل الحرب، لكنها ازدادت سوءًا بعدها.
ويضيف أن استمرار حجب الإنترنت بشكل شبه كامل، حتى بعد دخول الهدنة حيز التنفيذ في 8 أبريل/نيسان الماضي، يزيد من حالة الاحتقان داخل المجتمع الإيراني.
ويؤكد أن هناك حالة غضب شعبي متصاعدة، مشيرًا إلى أن غالبية الإيرانيين تميل إلى إنهاء الحرب، باستثناء الفئات المرتبطة بالنظام أو المستفيدة منه.
ويشير إلى أن الحرس الثوري لا يسيطر فقط على القرار العسكري، بل يمتد نفوذه إلى السياسة الخارجية، حيث تعمل الحكومة، بما فيها وزارة الخارجية بقيادة عباس عراقجي، ضمن توجيهاته.
ضغوط الخارج.. واستثمار الانقسام
ويرى عاطف أن الحصار البحري الأمريكي يمثل أحد أهم أدوات الضغط، حيث يستهدف الموانئ الإيرانية ويؤثر بشكل مباشر على الاقتصاد، خاصة مع تعطيل صادرات النفط من جزيرة خرج.
ويؤكد أن هذا الحصار قد يكون أكثر تأثيرًا من الضربات العسكرية، نظرًا لتداعياته المباشرة على الداخل الإيراني.
ويشير إلى أن هذه الضغوط لا تؤثر فقط على النظام، بل تمتد إلى الشعب، من خلال نقص السلع وارتفاع الأسعار وتدهور الأوضاع المعيشية.
سيناريوهات المستقبل.. بين التشدد والانفجار
وحول مستقبل النظام، يتوقع عاطف أن تتجه إيران إلى نظام أكثر قمعا في ظل سيطرة الحرس الثوري على البلاد وقدر رأينا ذلك مع تزايد وتيرة الإعدام للمعارضين.
ويؤكد أن الضربات العسكرية الخارجية وحدها قد لا تسقط النظام، بل إن العامل الحاسم سيكون داخليًا، سواء عبر انتفاضة شعبية أو نتيجة الضغوط الاقتصادية.
ويشير إلى أن الشعب الإيراني يعيش تحت ضغط كبير نتيجة القمع والتدهور الاقتصادي، مع انتشار أمني واسع منذ اندلاع الحرب، وتهديدات مباشرة للمواطنين بعدم الاحتجاج.
ويختتم حديثه بأن جميع السيناريوهات تظل مفتوحة، سواء عبر تحركات داخلية أو ضغوط خارجية، لكن العامل الأكثر تأثيرًا في النهاية هو الشعب الإيراني، الذي قد لا يحتمل استمرار هذه الأوضاع لفترة طويلة ومن ثم ينفجر بوجه النظام.