في العلاقات الدولية، المهلة الأمريكية لإيران حتى 6 أبريل/نيسان، والتي مُدِّدت 24 ساعة، تجسد نظرية الدجاجة، المستوحاة من لعبة خطيرة في خمسينيات القرن العشرين، حيث يسير السائقان نحو الصدام، وأي تراجع يُعد خسارة.
وإذا لم تتجنب إيران المواجهة، فستصبح دولة ممزقة داخليًا وفق هويات شعبها، وفوضى عبر تحول النظام إلى مليشيات.
عقارب الساعة تتجه نحو السابع من أبريل/نيسان، والرد الإيراني سيحدد مستقبل الشرق الأوسط: هل تعيد طهران تشكيل هويتها السياسية واحترام سيادة الدول، أم تنحدر نحو الانهيار؟ ما على المحك ليس مصالح فقط، بل أمن الخليج ومضيق هرمز وتدفق الطاقة، فيما تستعد واشنطن لاستعادة ورقة المضيق كرمز لنصرها.
ماهية النظام الإيراني الثيوقراطي واللاعقلانية
يُظهر النظام الإيراني بطابعه الثيوقراطي أنه لا يدير دولة بالمعنى التقليدي، بل مشروعًا عقائديًا عابرًا للحدود لا يؤمن بالدولة القومية القطرية ومبادئ احترام سيادة الدول؛ لذا لا يتعامل مع الحرب والهزيمة بمنطق الدولة والعقلانية كحالتي ألمانيا واليابان في الحرب العالمية الثانية، بل بعقلية أيديولوجية ستحول النظام إلى مليشيات مع تفكك جغرافي وأمني حسب الهويات الإيرانية.
فالنظام الإيراني القائم على فكرة "تصدير الثورة"، يعتقد أن مهمته تتجاوز الحدود الجغرافية، وأن دوره يحمل "الحق المطلق الإلهي" في قيادة الأمة الإسلامية التي يمزقها بحروبها وإراقة الدماء على أساس مذهبي ومعاداة كل ما هو مختلف من العقائد.
هذه العقيدة جعلت النظام غير قادر على المراجعة الذاتية، أو الاعتراف بالهزيمة، وأصبحت أي مواجهة معه مسألة وجودية تتحول من نزاع سياسي إلى صراع عقائدي له بعد ديني، ما يزيد صعوبة التسوية.
برغم هذا الغطاء العقائدي، يميل النظام أحيانًا إلى البراغماتية حين تقتضي المصالح، كما رأينا في تحالفاته السابقة مع أطراف متناقضة دينيًا أو سياسيًا مثل الصراع بين أرمينيا وأذربيجان، فموقفه مع أرمينيا تجاوز البعد الديني والمذهبي، وحتى كون الأذريين لهم نسبة عالية في سكان وهويات وأراضي إيران.
فنحن أمام مرحلة حاسمة وتاريخية تُغلق مرحلة وتفتح أخرى: إما إيران الدولة، أو إيران المليشيات. وما يحدث اليوم ليس مجرد مواجهة مؤقتة، بل إعادة صياغة جذرية لهوية النظام الإيراني ولدوره الإقليمي والدولي.
الأحداث الميدانية
المشهد الميداني يتسم بالتصعيد الشديد والضغط المتزامن من واشنطن وتل أبيب، فقد وصلت العمليات العسكرية إلى الصفوف الأولى للنظام وقدراته العسكرية، وهناك عمليات عسكرية في العراق ولبنان ضد حزب الله.
في المقابل، تستمر الهجمات الإيرانية على دول الخليج المجاورة والأردن وإسرائيل في محاولة لتوسيع الأزمة والحرب، خاصة مع إغلاق مضيق هرمز وتهديد مضيق باب المندب من الحوثيين.
إن توسيع الحرب بالصورة التي يقوم بها النظام الإيراني، من الهجمات على دول الخليج العربية والأردن، والتهديد المستمر بضرب البنية التحتية وإغلاق مضيق هرمز، وتهديد استقرار باب المندب، سيجعل الرد الأمريكي يأخذ قوة مدمرة بدرجات عالية، وحقيقة التفوق والقدرة الأمريكية عالية حتى داخل إيران عبر العمليات البرية كما كشفت عنها عملية إنقاذ الطيار الأمريكي مؤخراً.
لقد قدمت الإدارة الأمريكية عرضًا بشروط المنتصر إلى إيران: تفكيك البرنامج النووي بالكامل، كبح وتقليص برنامج الصواريخ، وإنهاء النفوذ الإيراني في العراق ولبنان واليمن، مع التزام كامل بمعايير الدولة القومية وحدود السيادة. فهذه الخطوات ليست تفاوضًا تقليديًا، بل إعادة تشكيل لدور إيران في النظام الدولي، وتحويلها من لاعب أيديولوجي توسعي إلى دولة قومية قطرية تحكمها قواعد السيادة والعلاقات الدولية.
التعامل مع الحرب وتداعياتها
البعد التاريخي يقدم لنا مقارنة واضحة، فألمانيا واليابان في وبعد الحرب العالمية الثانية تعاملتا مع الهزيمة بمنطق الدولة: اعتراف بالواقع، إعادة بناء اقتصادي واجتماعي، والانخراط في النظام الدولي.
أما إيران، بطبيعتها الأيديولوجية، فقد لا تتعامل مع الهزيمة بهذه الطريقة؛ فالهزيمة بالنسبة لها ليست مجرد خسارة سياسية، بل تهديد لرسالة المشروع والعقيدة التي تعتقد بأن الله معها وأن المهدي المنتظر قادم. هذا الوضع يجعل من الممكن أن تتحول الدولة إلى شبكة من المليشيات ومراكز القوة المتفرقة، خاصة في ظل التنوع القومي والعرقي داخل إيران.
إقليميًا، نهاية النظام بصيغته الحالية تعني تفكيك شبكة نفوذ إيران في الخليج والشرق الأوسط، إنها نهاية مشروع التمدد لعقيدة متطرفة واهمة داخل الدول، وإعادة فرض منطق السيادة الوطنية في العراق ولبنان واليمن.
وفي مسألة مضيق هرمز، قد يتم استعادة السيطرة، بحيث لا يُستخدم مرة أخرى كورقة ابتزاز، ويصبح تأمين تدفق الطاقة هدفًا دائمًا، وليس خيارًا مؤقتًا، تقوم به واشنطن وحلفاؤها الإقليميون. وهذا سيناريو يفتح المجال أمام تحالف إقليمي–دولي لضبط التوازنات ومنع الانفلات، ويضع الخليج أمام إعادة توازن تاريخي قائمة على الأمن والاستقرار.
دوليًا، النتيجة تتجاوز مجرد هزيمة النظام الملالي، فهي إعادة تثبيت لمكانة الولايات المتحدة في هرم النظام الدولي العالمي، تمامًا كما حدث بعد تحرير الكويت 1991. فواشنطن ستعيد تأكيد دورها كضامن لأمن الطاقة واستقرار الممرات الحيوية. اليوم، انتزاع أوراق القوة الإيرانية—وفي مقدمتها هرمز— وباب المندب يعيد تأكيد القيادة الأمريكية، ويثبت قدرة واشنطن على فرض معادلات استراتيجية في الشرق الأوسط.
الخاتمة
نحن أمام مرحلة حاسمة ستحدد مسار المنطقة لسنوات طويلة. فهل تنجح حسابات الردع في تجنب الصدام، أم تنزلق الأطراف إلى الصدام الضخم الذي سيعيد تشكيل توازنات الشرق الأوسط؟ ففي منطق "لعبة الدجاجة"، لا تكمن الخطورة في القوة وحدها، بل في احتمالات سوء التقدير، حين يندفع أحد الأطراف دون قراءة دقيقة للعواقب. وبين قوة كبرى تمتلك أدوات التفوق، وطرف أقل قدرة لكنه أكثر اندفاعًا أيديولوجيًا، يبقى السؤال مفتوحًا: من سيتراجع أولًا، وبأي كلفة، وما هي نتائج الاصطدام الكبير؟
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة