تعد رحلة "أرتميس II" محطة تاريخية، كونها أول رحلة مأهولة تدور حول القمر منذ عودة "Apollo 17" عام 1972، أي منذ 54 عاما، لم يعد أي إنسان إلى القمر أو حتى حوله.
وعلى الرغم من أن رحلة أرتميس II، والتي ستستمر نحو عشرة أيام كاملة، ستدور دورة كاملة حول القمر ولن تهبط فعليًا عليه، فإنها ستمهد الطريق وستختبر سلامة الرحلة من الأرض إلى القمر دون الهبوط الفعلي على سطحه.
وسيحلق رواد الفضاء الأربعة للرحلة (ريد وايزمان، وفيكتور جلوفر، بالإضافة إلى أول رائدة فضاء للقمر كريستينا كوتش، ورائد الفضاء الكندي جيريمي هانسن، في أول مشاركة بشرية كندية في الفضاء على الإطلاق) بمحاذاة الجانب الآخر "المعتم" من القمر، ليحظوا بمشاهد ورؤى لسطح القمر لم يسبق لعين بشرية أن رصدتها من قبل. وبمجرد أن يتجاوز رواد الفضاء الحافة المرئية للقمر، والتي يعرفها المتخصصون باسم "الطرف القمري" (Lunar Limb)، سيصبحون في أقصى نقطة بعيدة عن الأرض وصل إليها البشر على الإطلاق.
ومن المقرر أن تُطلق رحلة أرتميس III سنة 2027، وهي الرحلة التي ستحمل البشر مرة أخرى إلى القمر، لكن هذه المرة للإقامة الدائمة، وليس للزيارة العابرة، وهناك آمال عريضة أن تكون دولة الإمارات العربية المتحدة مشاركة برائد فضاء خلال هذه الرحلة التاريخية.
والحقيقة أنه لا أخبار الحرب ولا انحسار الزخم يمكن أن يغطيا على أخبار مشاركة الإمارات الرائدة في برنامج أرتميس، فهي كانت من أوائل الدول التي انضمت للتحالف العالمي في 20 أكتوبر/تشرين الأول 2020، بهدف إعادة البشر إلى سطح القمر، تمهيدًا لاستكشاف الفضاء العميق ووضع الأسس لأول بعثات مأهولة إلى المريخ، إذ أكدت الإمارات وقتها من خلال هذه الخطوة التزامها بأن تكون شريكًا رئيسيًا في الجهود العالمية لتطوير التكنولوجيا الفضائية وتعزيز التعاون الدولي في مجال استكشاف الفضاء نحو المستقبل.
ولعله ليس من قبيل المصادفة أن يعتمد مجلس الوزراء برئاسة الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، الاستراتيجية الوطنية لقطاع الفضاء 2031 قبل عدة أيام، في خضم الحرب، وذلك لترسيخ مكانة الإمارات ضمن أهم الاقتصادات الفضائية عالميًا، إذ تدعم الاستراتيجية الابتكار، وتعزز الشراكات، وتوسع مساهمة قطاع الفضاء في الاقتصاد الوطني.
فالحرب في النهاية ستنتهي، والحياة ستستمر، والخطط البشرية وخطط الإمارات العظيمة في استكشاف الفضاء والذهاب إلى القمر وبعده المريخ ستتحقق بحول الله وتوفيقه.
لقد قال لي رائد الفضاء الأمريكي ستيف بوين ذات مرة، وهو الذي قاد المهمة التاريخية Crew-6 الأخيرة، والتي شارك فيها وزير الشباب الإماراتي سلطان النيادي، إن أهمية رحلة البشر المقبلة إلى القمر تكمن في أنها ستفتح الباب الواسع نحو الرحلات البشرية المستقبلية إلى الفضاء السحيق، والتي ربما قد تحمل إجابات للأسئلة الكبرى في أذهاننا منذ خلق البشرية، مثل: هل نحن وحدنا في الكون؟ كيف نشأ الكون؟ هل توجد أي أشكال للحياة خارج الأرض؟ وغيرها.
كما أضاف أن المشاركة الإماراتية في الجهود الدولية لاستكشاف الفضاء باتت محورية نظرًا لحجم التحديات التي تواجه البشر في رحلات الفضاء، قائلًا: إن جهود استكشاف الفضاء باتت أكبر من قدرة أي دولة على تحملها بمفردها، بما في ذلك الولايات المتحدة.
وبرغم كل الخطوات الإماراتية السابقة في الفضاء، فإن الانضمام إلى محطة الفضاء القمرية أمر مختلف تمامًا، ولعل المشاركة الإماراتية في هذا المشروع الفضائي تمثل نقلة معرفية وعلمية أخرى للدولة.
ولطالما كانت الرؤية الإماراتية بالانخراط بقوة في الجهود الدولية لاستكشاف الفضاء راسخة وقوية، فعندما التقيت المدير العام لمركز محمد بن راشد للفضاء، سالم المري، في ولاية فلوريدا الأمريكية خلال وقت سابق، كشف لنا عن مهمة رائد الفضاء الإماراتي سلطان النيادي السابقة في الفضاء، والتي امتدت لنحو ستة أشهر كاملة كأطول رحلة لرائد فضاء عربي، وقد اعتُبرت حلقة ضمن خطط رحلات البشر الطويلة في الفضاء، وهو ما يشير بوضوح أيضًا إلى أن التخطيط للانضمام إلى تحالف أرتميس كان مخططًا له منذ فترة ربما تكون طويلة.
وتابع المسؤول الفضائي الإماراتي أنه لا توجد دولة بمفردها تستطيع القيام بكل الجهود لاستكشاف الفضاء، ولذلك فإن استكشاف الفضاء، ولا سيما في الرحلات الكبرى مثل العودة إلى القمر أو رحلة المريخ التاريخية، يتطلب أقصى درجات التعاون الدولي. وفي هذا السياق جاءت أهمية تعاون دولة الإمارات السابق مع وكالة الفضاء الأمريكية (ناسا) في العديد من المشروعات، لأنها تدعم الجهود الدولية، سواء مع أوروبا أو الولايات المتحدة، لاستكشاف الفضاء والذهاب إلى القمر ثم المريخ في مرحلة لاحقة، مشيرًا إلى أنه بعد كل مهمة تزداد خبرات البشر ومعارفهم في الفضاء، ومن ثم يؤثر هذا إيجابًا على الخطط بعيدة المدى لاستكشاف الفضاء.
ونبه المري إلى أن التوجه العالمي السائد في الفترة الراهنة هو ضرورة عودة البشر إلى القمر، قائلًا: "بعد آخر رحلة للبشر إلى القمر قبل نصف قرن تقريبًا، هناك ضرورة علمية للذهاب إلى القمر، وبعد العودة إليه ستكون خطوة نحو الذهاب إلى الكوكب الأحمر"، معربًا عن توقعه بأن يكون البشر مستعدين لرحلة المريخ بحلول 2040.
وفي النهاية لا يسعنا إلا القول إن الجهود البشرية لاستكشاف الفضاء، بالرغم من ضرورتها العلمية والحضارية، لم تعد رفاهية بعد الآن، فكل التقنيات الفضائية تساعد بشكل أو بآخر في تحسين حياتنا اليومية على الأرض، مثل أجهزة الاستشعار عن بُعد، وأنظمة التتبع (GPS)، وتقنيات الاتصالات وغيرها، وهي في الحقيقة كانت تقنيات مخصصة لأغراض الاستكشاف الفضائي، لكنها مع مرور الوقت وتوسع استخدامها باتت تُستخدم على الأرض. وهكذا هو الحال في التقنيات الحالية.
أو كما قال الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس دولة الإمارات، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، خلال وقت سابق عندما أطلق مهمة الإمارات لاستكشاف القمر في سبتمبر/أيلول 2020: "من خلال استكشاف القمر نكتب فصلًا جديدًا ملهمًا في سجل إنجازاتنا كدولة سقف طموحاتها الفضاء وأبعد".
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة