ليس الخلل في جملةٍ قيلت أو بيانٍ صدر، بل في عقلٍ خطابيٍّ طالما استبدل ميزان الوطن بميزان السردية، وقدّم “القضية” بوصفها مظلّةً تُعلّق تحتها كل اصطفافاتٍ ممكنة، ثم يعود—عند انكشاف الكلفة—ليبحث عن مخارج لغوية تُخفّف وقع ما جرى.
وما أبانته مواقف بعض أجنحة الإسلام السياسي، الإخوانية والسلفية السرورية، إبّان العدوان الإيراني على دول الخليج، هو هذا الارتباك بعينه: تأجيل الحكم في لحظةٍ لا تحتمل التأجيل، وتحويل الواقعة من مركزٍ إلى هامشٍ داخل حكايةٍ أكبر تُستدعى لتبرير الصمت أو تخفيف الإدانة.
في ساعة الضرب، كان البيان ينبغي أن يكون فعلًا، لا عبارةً معلّقة على شرط؛ تسميةٌ مباشرة للفعل، وإدانةٌ لا تتوكأ على سياقٍ آخر. غير أنّ ما ظهر في غير موضع كان التفافًا محسوبًا: تورية في اللفظ، واستعاضة عن التسمية بإحالاتٍ إلى “المشهد الأوسع”، كأنّ الأذى الواقع على الأوطان تفصيلٌ يمكن تجاوزه إذا ما أُدرج في سردية “المواجهة مع إسرائيل”. هكذا تُنزَع الواقعة من زمنها وتُعاد صياغتها في زمنٍ آخر، ويُستبدل الحكم المباشر بتأويلٍ يربح الوقت ويخسر الحقيقة.
ثم يطلّ بيان إخوان الكويت، في مجلة “المجتمع”، بنبرةٍ حاسمة تُدين الاعتداء وتُحذّر من ارتهان بعض الفصائل الفلسطينية لإيران، وتقرّ بأن هذا الربط أضرّ بالقضية وأدخلها في حسابات نفوذ. كلماتٌ صريحة، لكنها تحمل في داخلها سؤالًا أثقل من عبارتها: لماذا الآن؟ ولماذا احتاج هذا الوضوح إلى أن يعبر بوابة نقد حماس حتى يبلغ تسمية إيران؟ إن المسار الملتفّ يكشف أن الإدانة لم تكن أصلًا في البنية، بل نتيجة ضغطٍ أعاد ترتيب اللغة دون أن يُعيد تأسيس الموقف.
والأشد دلالة أنّ البيان، وهو يُقرّ بضرر الارتهان، يوقّع على ما ظلّ يُسوَّغ في مراحل سابقة تحت عناوين الضرورة وتلاقي المصالح. كيف يتحوّل ما كان يُقدَّم بوصفه خيارًا مفروضًا إلى انحرافٍ مرفوض؟ كيف يُستبدل الاحتفاء بتحالفٍ ما دام يخدم الشعار، بالتنديد به حين تنقلب كلفته؟ هنا تتعرّى الازدواجية: معيارٌ يتبدّل بتبدّل النتائج، لا بثبات المبدأ.
لقد اشتغل الخطاب الإخواني، ومعه امتدادات سرورية، بمنطق “المحور النافع”: كل من يرفع راية المقاومة يُستوعب، ولو كان الثمن اختلال ميزان الدول العربية الأخرى. بهذا المنطق تُختزل الجغرافيا في ثنائيةٍ مبسّطة، وتُختزل الأخلاق في سؤالٍ واحد: هل يواجه إسرائيل؟ فإذا كان الجواب نعم، سقطت سائر المعايير، حتى لو مسّ ذلك أمن أوطانٍ عربية واستباح دماءً عربية، سقط فيها فلسطيني ومصري ومغربي إلى جانب مواطني الخليج. المفارقة أن القضية التي يُراد لها أن تكون جامعة، تُستعمل أداةً لتفكيك الجامع.
ليس هذا خطأ عابرًا، بل خلل في ترتيب الأولويات: حين يتقدّم الانتماء التنظيمي على مقتضى الدولة، يغدو الخطاب قابلًا لتبرير ما لا يُبرَّر، ويغدو الصمت خيارًا، والمواربة مهارة، ونقل النقاش إلى “السياق الأكبر” ستارًا. ومن ثمّ لا يعود مستغربًا أن تتأخر الإدانة، أو تأتي مشروطة، أو تُصاغ عبر وسيط.
وبيان إخوان الكويت، إذ يعلن رفض الارتهان ويحذّر من توظيف القضية في حسابات النفوذ، لا يُغني عن مساءلة البدايات: أين كانت هذه البوصلة حين كانت المنابر تُسبغ الشرعية على كل ما يُسمّى “محور المقاومة” دون فحص كلفته العربية؟ وأين كان هذا التحفّظ حين جرى تطبيع العلاقة مع مشروعٍ إقليمي لا يُخفي امتداده؟
ولا ينفصل هذا عن نمطٍ يتكرر: اندفاع أيديولوجي في لحظة حدّة، ثم صدمة واقع، فبيانٌ يستدرك ما فات. بين هذه اللحظات تتكشّف الهوّة بين الخطاب والواقع، وتُدفع أثمانٌ لا تُمحى ببيان. وليس الإشكال حكرًا على الإسلام السياسي؛ فقد وقعت بعض التيارات القومية اليسارية في الفخ ذاته، إذ قرأت المشهد بمنظار المحاور، فمالت إلى تخفيف الإدانة ما دام الفاعل يرفع شعار المواجهة مع إسرائيل. وهكذا تلتقي سرديتان مختلفتان في نقطة عمياء واحدة: تبرير الفعل إن صدر عمّن يُصنَّف في خانة “الخصم لإسرائيل”، ولو على حساب دولٍ عربية.
في هذا كله، ينكشف أن البيان حين يأتي متأخرًا، لا يكون مجرد قولٍ صحيح في ذاته، بل علامة على خللٍ في آلية إنتاج الموقف: إذ تُصاغ اللغة بعد الواقعة لا معها، وتُستدعى المبادئ بعد أن تُختبر لا قبلها. وبين التأجيل والتصحيح، تتآكل المعايير، وتُستباح الأوطان باسم قضايا كان ينبغي أن تصونها لا أن تُتخذ ذريعةً عليها.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة