ليست مجرد ضفتين، وكنا نراه على الخرائط بأنه ممر مائي يفصل بين دولتين، أصبح أهم مفاتيح الاقتصاد العالمي، وأكثر نقاطه هشاشة في الوقت ذاته.
فمن خلاله يمر ما يقارب 20% من النفط المنقول بحرًا عالميًا، إضافة إلى كميات ضخمة من الغاز الطبيعي المسال، ما يجعله شريانًا لا يمكن تعويضه بسهولة في المدى القريب، ومع هذه الأهمية الاستثنائية، يطرح سؤال مركزي نفسه بإلحاح، كيف تحوّل هذا المضيق الحيوي إلى مساحة نفوذ شبه حصرية لإيران، رغم وقوعه في قلب الجغرافيا الخليجية؟
منذ سبعينيات القرن الماضي، ومع تصاعد التوترات الإقليمية، عملت إيران على تحويل المضيق من مجرد ممر ملاحي إلى ورقة ضغط استراتيجية، لم يكن الهدف احتلاله أو إغلاقه بشكل دائم، بل التحكم فيه بمرونة عالية، لذلك، استثمرت في تطوير قدرات بحرية غير تقليدية، من الزوارق السريعة إلى الألغام البحرية والصواريخ الساحلية، بما يتيح لها تهديد الملاحة دون الدخول في مواجهة شاملة. هذه العقيدة الإيرانية التي تقوم على "التحكم دون الإغلاق الكامل" منحت طهران قدرة على التأثير في السوق العالمية للطاقة بأدوات محدودة التكلفة عالية التأثير.
في المقابل، أن دول الخليج تعتمد عليه بشكل أساسي لتصدير مواردها، لكن هذا الواقع بدأ يشهد تحولًا تدريجيًا خلال العقد الأخير. فقد أدركت دول الخليج، وفي مقدمتها دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، أن أمن الممرات البحرية لا يمكن أن يُترك بالكامل للضمانات الخارجية، ومن هنا، بدأت ملامح استراتيجية جديدة تتشكل، تقوم على تنويع مسارات تصدير الطاقة وتقليل الاعتماد على المضيق، إلى جانب تعزيز القدرات البحرية الوطنية، نجحت دولة الإمارات في بناء هذه المنظومة الفعالة وبناء شبكة متكاملة برية خارج الإطار البحري وبامتياز لتكون الشريان الأول في الشرق الأوسط للعالم.
ففي الإمارات، يمثل خط أنابيب حبشان – الفجيرة نموذجًا واضحًا لهذا التوجه، حيث يتيح نقل النفط إلى بحر العرب دون المرور عبر المضيق، ما يوفر هامش أمان استراتيجيًا في حالات الطوارئ، كما نشهدها اليوم من الهجوم السافر الإيراني على دول الخليج، كما برز دور ميناء الفجيرة كمركز عالمي لتخزين وتزويد السفن بالوقود، ما يعزز مكانة الدولة في معادلة أمن الطاقة العالمية، في خطوة مهمة لتقليل المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بهرمز.
غير أن التحدي لا يزال قائمًا فإيران، التي بنت استراتيجيتها على مدى عقود، لا تزال تمتلك القدرة على التأثير السريع في المضيق، سواء عبر التهديد أو عبر عمليات محدودة تُحدث صدى عالميًا. كما أن الطبيعة الجغرافية للمضيق تجعل من الصعب تحييد هذا التأثير بالكامل، مهما بلغت مستويات الجاهزية.
هنا، يتجاوز النقاش البعد العسكري ليصل إلى البعد السياسي والاجتماعي، فقد نجحت إيران في ترسيخ سردية داخلية تعتبر السيطرة على المضيق جزءًا من السيادة الوطنية والقدرة على مواجهة الضغوط الخارجية، وهو ما منح استراتيجيتها بعدًا تعبويًا مستدامًا. في المقابل، لم يتحول المضيق في الوعي الخليجي والعربي إلى قضية عامة بالمعنى ذاته، بل ظل ملفًا متخصصًا يُناقش في دوائر محدودة.
إن مضيق هرمز سيبقى نقطة اختبار دائمة لتوازنات القوة في المنطقة، بينما نجحت إيران في تحويله إلى ورقة نفوذ حسب سرديتها الإرهابية، وهنا بدأت دول الخليج في إعادة تعريف دورها، ليس فقط كمستخدم لهذا الممر الدولي، بل كفاعل رئيسي في تأمينه وإعادة تشكيل معادلاته. وفي هذا التحول، تتحدد ملامح المرحلة المقبلة: هل يبقى المضيق أداة ضغط بيد طرف واحد، أم يتحول إلى مساحة توازن تعكس نضجًا استراتيجيًا إقليميًا جديدًا؟
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة