في عالم السياسة والصراعات، هناك نوعان من الخصوم: خصمٌ يواجهك في وضح النهار، يوجه صواريخه نحو صدرك، فتردها في نحره.
هذا العدو، على خطورته، نكنُّ لمواجهته نوعاً من "الاعتراف بوجود خصم"، فنحن نملك حق الدفاع، ونملك سيادة الرأي، ونختار "ساعة الصفر" للرد في الوقت الذي نراه مناسباً وبمنطق القوة والحكمة.
ولكن، ماذا عن "العدو الخفي"؟ ذلك الذي يلبس رداء الصديق، يصافحك بيمينه ويخفي خنجره بيساره، يبتسم في وجهك علناً وينتظر سقوطك خفية. هذا الصنف لا يملك شجاعة المواجهة، بل يعتاش على الغدر، ويقتنص لحظات الأزمات ليطعن من الخلف، متوهماً أن الأقنعة ستدوم وأن الوجوه المستعارة لن تنكشف.
لقد قيل قديماً: "في الشدائد تظهر المعادن"، واليوم لم تعد هذه الحكمة مجرد عبارة أدبية، بل أصبحت حقيقة سياسية ساطعة كشفتها الأزمات المتلاحقة. لقد سقطت الأقنعة عن وجوهٍ حسبناها يوماً حليفة، فإذا بها تتربص بنا الدوائر، وتنفث سمومها في الخفاء بينما تدعي المودة في العلن.
إن دولة الإمارات العربية المتحدة لم تكن يوماً دولة تنتظر "منّة" من أحد، ولا هي قائمة على عطاء الآخرين. نحن دولة قامت على أسس صلبة، وطموح يعانق السماء، وقوة لا تهتز بالوشايات ولا بالطعنات الغادرة. نحن ندرك جيداً أن قوتنا تكمن في ذاتنا، وفي تلاحم قيادتنا مع شعبنا، وفي وضوح رؤيتنا التي لا تعرف الالتواء.
أمام هذا المشهد، لم يعد مقبولاً الاستمرار في نهج "المجاملة الدبلوماسية" مع من اتخذ من الغدر منهجاً. لقد آن الأوان لإحداث تغييرات جذرية في قواعد اللعبة السياسية والدبلوماسية. فالصديق الذي لا يسندك في وقت الضيق هو عدوٌ مؤجل، ومن يبتسم لك وهو يتمنى زوالك لا مكان له في دائرة ثقتنا.
إن إعادة صياغة العلاقات مع أولئك "الأعداء الخفيين" ليست خياراً بل هي ضرورة سيادية. فالإمارات القوية، الشامخة، لا تساوم على كرامتها ولا تنسى من خذلها أو تآمر عليها تحت غطاء الصداقة المزيفة.
الرسالة اليوم واضحة: نحن نرى الخناجر كما نرى الصواريخ، ومن ظن أن صمتنا ضعف، فليراجع حساباته، فدبلوماسية الإمارات اليوم تملك أنياباً، وقرارنا السيادي لا يرتهن إلا لمصالحنا العليا. لقد انتهى زمن الأقنعة، وبدأ زمن الوضوح.. فالمعادن قد صُهرت، ولم يتبقَّ إلا الذهب الخالص، أما الزبد فيذهب جفاءً.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة