مع كل تحدٍّ يواجهه الإنسان، تعود به الذاكرة إلى التحديات التي سبقته، ومع التحدي الذي تواجهه الإمارات اليوم، تعود بنا الذاكرة إلى أكبر تحدٍّ واجهته الدولة، وهو تأسيسها.
فلم يكن قيام دولة الإمارات العربية المتحدة حدثاً عادياً في محيط مضطرب، بل كان نتيجة مباشرة لقدرة استثنائية على تجاوز التحديات، كما يوثّق الدكتور جمال سند السويدي في كتابه «بقوة الاتحاد».
في ذلك الزمن، لم يكن الطريق ممهداً بقدر ما كانت الظروف مهددة؛ تحديات سياسية معقدة، وفراغ أمني يتشكل، وشكوك إقليمية مترددة، وتباينات داخلية متعددة، وموجات من عدم اليقين تغذيها أطماع جغرافية خارجية، كانت كفيلة بوأد الحلم في مهده.
لكن ما حدث كان مختلفاً حتى النقيض، فمن رحم التحديات بدأت روح جدية تتشكل بثبات، تم توصيفها وتسميتها لاحقاً «روح الاتحاد»، هذه الروح الفتية بدأت تطغى يوماً بعد آخر على ما عداها من أفكار ومشاعر، وتتجاوز بثقة اليقين كل التحديات.
فتقدّمت الإرادة على المخاوف، وتفوّق منطق الاتحاد على حسابات التردد والأنا، وتجمعت قيم الإيثار والسمو والمحبة لتغذي روح الاتحاد، فولدت دولة لم تكن مجرد كيان سياسي، بل فكرة قائمة على أن التكاتف والاتحاد هما القوة.
في هذه المرحلة يمكن فهم واستخلاص «روح الإمارات» في أصلها وجذرها الأول، كروح قوية واجهت التحديات فصنعت الاتحاد.
بعد 5 عقود، وفي 28 فبراير/شباط 2026، عادت المنطقة وظروفها المتقلبة، لتضع دولة الإمارات أمام اختبار جديد، ولكن هذا الاختبار لم يكن كغيره من التحديات التي تجاوزتها الإمارات، هذه المرة لم يكن السؤال: هل يمكن أن تقوم الدولة؟ بل: هل ما بُني خلال هذه السنوات قادر على الصمود؟
فكانت الإجابة أن جاءت امتداداً وتطوراً طبيعياً للبداية، التاريخ الثابت يكرر منطقه، وإن تغيّرت أدواته، فكما واجهت الدولة في نشأتها تحديات كان يمكن أن تُفككها، واجهت اليوم اعتداءات سافرة كانت تراهن على إرباكها. بدا أن المعادلة التي يُعوّل عليها العدو في مثل هذه اللحظات تبدو كالتالي: الضغط يولّد القلق، والقلق يخلخل الوضع والوضع يولّد الانقسام والتفكك، لكن ما حدث في الإمارات أعاد تعريف هذه المعادلة، فالضغط أنتج تماسكاً، والتحدي أخرج أفضل ما في المجتمع.
لم يكن المشهد تقليدياً، بل كان غير مسبوق، فلم يقتصر التماسك على المواطنين فحسب، بل شمل المقيمين والزوار، ذلك النسيج المتنوع الذي قد يُنظر إليه في أماكن أخرى كعامل هشاشة، وخلل. لكنه في الإمارات تحوّل إلى مصدر قوة وتفوق.
هنا ظهرت «روح الإمارات» بصيغتها الحديثة، روح لا تميّز بين من ينتمي قانونياً، ومن ينتمي وجدانياً؛ حيث الجميع شعر بأنه جزء من القصة وأنه معني بالأمر، هذه الحالة والهالة لا تُصنع في لحظة، فكما أن الاتحاد لم يكن قراراً عابراً في السبعينيات، فإن هذا التماسك لم يكن رد فعل مؤقتاً في 2026.
إنه نتيجة مسار طويل من العمل والتفاعل، حين استثمرت الدولة في الإنسان، فاستثمر الإنسان في الدولة، وعندما نتحدث هنا عن الإنسان، فإننا نعني الإنسان دون تمييز أو أي تفصيل آخر.
لذا عندما جاء التحدي، لم يسأل الناس: ماذا سيحدث؟ بل كان السؤال ما لذي يمكن أن نقدمه، وتصرفوا وكأنهم جزء من الأصل والحل.
في تلك اللحظة، انصهرت جميع القيم الإيجابية النبيلة التي بُنيت عليها التجربة، والتي جمعت الناس على مختلف تبايناتهم في وعاء حامل واحد، التسامح، لأنه أساس التعايش، والتعاون، لأنه شرط البقاء، والمثابرة، لأنها طريق الاستمرار، والطموح، لأنه بوابة المستقبل، ثم أضيفت قيمة فرضها الحدث: روح النصر، ليس فقط نصر المواجهة، بل نصر الثبات، ونصر الفكرة والنموذج.
يقول ونستون تشرشل: «الأمم التي تصمد هي التي تربح في النهاية»، وهذا ما أثبتته الإمارات مرتين: مرة عند التأسيس عندما واجهت تحديات الوجود فاختارت الاتحاد، وأخرى عندما واجهت التهديد فاختارت التماسك والثبات.
«روح الإمارات» يا سادة ليس شعاراً جديداً، بل هو مزيج من القيم المتراكمة ممتد من لحظة التأسيس إلى لحظة الاختبار، هي الروح التي حوّلت التحديات الأولى إلى اتحاد، ثم حوّلت التحديات الحديثة إلى قوة ونصر.
والسؤال الذي يبرز اليوم ليس: كيف تجاوزت الإمارات الأزمة؟ بل: لماذا استطاعت؟.. فتأتي الإجابة ببساطة لأنها لم تبنِ دولة فقط، بل بنت فكرة، والجميع يعلم قوة الفكرة خاصة إذا تحولت إلى نموذج واقعي يثبت نجاحها كدولة مثل الإمارات.
فكرة أن الاتحاد ليس مرحلة تاريخية، بل حالة مستمرة تزداد وضوحاً ورسوخاً، وأن التحديات، مهما تغيّرت أشكالها، يمكن أن تتحول بالروح نفسها إلى فرص جديدة للتماسك والقوة.
في النهاية، قد تبدأ الدول باختيار وقرار، لكنها تستمر بروح، وروح الإمارات، كما تجلت في هذه الأزمة أثبتت أنها ليست فقط قادرة على مواجهة التحديات، بل على إعادة إنتاج وتعريف نفسها، اتحاد جديد كل مرة، وأقوى من كل مرة.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة