شهدت العلاقات الإيرانية–الأمريكية خلال العقدين الأخيرين محطات تفاوضية مفصلية، عكست في كل مرحلة ميزان القوى الإقليمي والدولي المحيط بإيران.
وعند المقارنة بين مفاوضات عام 2015 والمفاوضات الجارية في عام 2026، يتضح حجم التحول في الموقع الاستراتيجي الإيراني؛ من دولة تفاوض من موقع نفوذ إقليمي واسع، إلى دولة تسعى اليوم إلى احتواء الضغوط المتراكمة، وإدارة الخسائر، وضمان استمرار النظام الثيوقراطي في السلطة.
أولًا: مفاوضات 2015 – إيران في ذروة القوة الإقليمية
بين عامي 2012 و2014، انطلقت قنوات اتصال سرية وغير مباشرة بين إيران والولايات المتحدة بوساطة سلطنة عُمان، شكّلت الأرضية السياسية والدبلوماسية للمفاوضات الرسمية اللاحقة مع مجموعة (5+1).
ولم تكن هذه اللقاءات تقنية بحتة، بل حملت أبعادًا استراتيجية هدفت إلى ضبط البرنامج النووي الإيراني مقابل تخفيف العقوبات، في سياق إقليمي كانت فيه إيران في موقع قوة نسبية.
في تلك المرحلة، استند النفوذ الإيراني إلى ما عُرف بـ«محور الممانعة» بوصفه أداة استراتيجية لتعويض اختلال موازين القوة التقليدية، من خلال شبكة من الحلفاء والفاعلين الدوليين وغير الدوليين في سوريا ولبنان والعراق واليمن. وقد منح ذلك طهران قدرة على نقل الصراع خارج حدودها وتعزيز موقعها التفاوضي، وشكّل عنصر ردع غير مباشر مكّنها من التفاوض بثقة أعلى في الملف النووي.
وفي 14 يوليو/تموز 2015، تُوّج هذا المسار بتوقيع الاتفاق النووي الشامل (JCPOA) في فيينا، والذي تضمّن تقليص عدد أجهزة الطرد المركزي، وتحديد نسبة تخصيب اليورانيوم عند 3.67% لفترة زمنية محددة، وإعادة تصميم مفاعل آراك للحد من إنتاج البلوتونيوم ذي الاستخدام العسكري، مقابل رفع تدريجي للعقوبات الاقتصادية، ضمن آليات تفتيش ورقابة مشددة تشرف عليها الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
وقد اتسمت نبرة إيران آنذاك بالثقة، وسعت إلى تثبيت مكاسبها الإقليمية، وضمان استمرار حلفائها خاصة نظام بشار وتفادي مواجهة عسكرية مباشرة مع الولايات المتحدة.
ثانيًا: من 2018 إلى انطلاق المحادثات الجارية – انهيار التوازن السابق
أدّى انسحاب إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من الاتفاق النووي عام 2018 إلى انهيار التفاهمات التي بُني عليها اتفاق 2015، ودخول إيران مرحلة «الضغط الأقصى»، وردًا على ذلك، بدأت طهران تجاوز بعض قيود الاتفاق تدريجيًا في محاولة لفرض العودة إليه بشروط جديدة.
مع هذه المرحلة، أتت سلسلة من التطورات المفصلية التي غيّرت المشهد الإقليمي، من أبرزها:
• مقتل قاسم سليماني عام 2020.
• تداعيات حرب غزة أكتوبر/تشرين الأول 2023.
• مقتل إسماعيل هنية يوليو/تموز 2024 في طهران أثناء حضور مراسم تنصيب الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان.
• العملية الإسرائيلية الواسعة "البيجر" في لبنان في سبتمبر/أيلول 2024، التي استهدفت بنية حزب الله.
• مقتل حسن نصر الله في 27 سبتمبر/أيلول 2024.
• سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024.
• الحرب المباشرة بين إيران وإسرائيل 13 يونيو/حزيران 2025، وما رافقها من تدخل أمريكي، وتوجيه ضربة في الأرض القطرية.
• الاستهداف المتكرر لقادة حماس خارج الأراضي الفلسطينية.
• الاستهداف المستمر للأذرع الإقليمية لإيران في لبنان واليمن.
• العملية المثيرة للجدل التي استهدفت الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في يناير/كانون الثاني 2026، وهو أحد حلفاء طهران.
• تصاعد الضغوط الاقتصادية الداخلية وتكرار موجات الاحتجاج الشعبي داخل إيران.
حقيقةً، كشفت هذه التطورات مجتمعة محدودية قدرة إيران وحلفائها على حماية مكتسباتهم السابقة، وأضعفت فعالية «محور الممانعة» كأداة ردع وتوسّع، ليتحوّل تدريجيًا من ورقة قوة إلى عبء استراتيجي يتطلب إدارة وحماية مستمرة.
وفي الوقت ذاته، بدأت الأطراف الخليجية العربية تنخرط بشكل أكثر فاعلية في التأثير على أمن الخليج ومسارات الصراع الإيراني–الإسرائيلي.
تعكس المحادثات الجارية في عام 2026، التي انطلقت في أبريل/نيسان من العام السابق بوساطة عُمانية، تحوّلًا واضحًا نحو مقاربة تقوم على إدارة الخسائر لا توسيع النفوذ. وتبدو واشنطن في هذه الجولة أكثر تشددًا في سعيها إلى فرض قيود صارمة، تشمل خفض تخصيب اليورانيوم إلى مستويات صفرية، وتقييد القدرات الصاروخية والعسكرية التي تمكّن طهران من تهديد إسرائيل.
وقد كان لافتًا الحضور العسكري الأمريكي غير المباشر في هذه المحادثات، من خلال مشاركة ممثل رفيع عن القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM)، بما حمله ذلك من رسالة ضغط واضحة.
في المقابل، جاءت نبرة طهران أكثر حذرًا، إذ لم تعد تفاوض من موقع توسّع إقليمي، بل من موقع يسعى إلى تثبيت الداخل، واحتواء التآكل الاقتصادي، والحفاظ على تماسك الدولة ووحدة الأراضي في ظل تصاعد الضغوط السياسية والاجتماعية وتصورات ما قد تحدثه الثورة الشعبية.
ثالثا: تصور مستقبلي
في ضوء المعطيات الراهنة، يمكن تصور عدة سيناريوهات، منها ما قد حدث في فنزويلا، إلا أن السيناريو الأرجح يتمثل في التوصل إلى اتفاق محدود، حيث تسعى واشنطن من خلاله إلى فرض قيود ومراقبة صارمة على مراكز التخصيب وعدد الصواريخ الباليستية مقابل رفع العقوبات الاقتصادية بشكل يتناسب مع ما تم الاتفاق عليه، فيما ترى طهران في ذلك فرصة لتأجيل الانفجار الداخلي وضمان بقاء النظام الثيوقراطي أكثر من كونه مدخلًا لاستعادة نفوذها الإقليمي السابق أو إعادة تسويغ وشرعنة هذا النظام لدى الشعب الإيراني.
الخلاصة: إذن بعد عقد من الزمن على اتفاق 2015، تحاول إيران إدارة الخسائر، فالهدف الآن مد عمر النظام قليلاً خشية تمزق الوحدة الإيرانية إلى قوميات وجغرافيا متعددة.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة