بلغ الإرهاب في منطقة الساحل مداه الأقصى، تمدد حتى تخوم المدن، واستوطن الهوامش، وأعاد تشكيل أنماط العيش القسري لمجتمعات لم تعرف العنف بوصفه قدرا يوميا.
في المقابل، بدت الحكومات المحلية عاجزة، والمقاربات الدولية مرهقة ومحدودة الأثر، فيما تحولت الحرب على الإرهاب إلى سباق استنزاف طويل بلا أفق حاسم.
في هذا الفراغ القاتم، لم يبق من جبهة فعالة سوى تفكيك خطاب التطرف ذاته، ومواجهته داخل الحاضنة التي تغلغل فيها، أي المجتمع.
الإرهاب في الساحل لم يعد تنظيما يضرب ثم ينسحب، بل خطابا يسكن القرى، ويفرض إكراهاته على العائلات، ويعيد صياغة الخوف بوصفه نظام حكم، وهو خطاب دخيل على مجتمعات أفريقية متنوعة، سلمية في جوهرها، لكنها أُنهكت بالفقر، والتهميش، وانسداد الأفق.
هذه المجتمعات تتطلع اليوم إلى طرق واقعية لطرد هذا الفكر، لا عبر السلاح وحده، بل عبر نزع شرعيته الأخلاقية والدينية، وتجفيف منابعه الرمزية.
من هنا تكتسب فكرة فقه السلم معناها العملي، لا بوصفها تنظيرا وعظيا، بل أداة مواجهة؛ فقه يعيد ترتيب العلاقة بين الدين والمجتمع، ويسترد النص من خاطفيه، ويكسر الحلقة التي جعلت اليأس بوابة العنف.
هذا بالضبط ما يسعى مؤتمر أفريقيا للسلم في موريتانيا إلى بلورته، عبر توحيد جهود المجتمعات الأفريقية وقادة الفكر والعلماء، من أجل محاصرة التطرف في بيئته الطبيعية، أي حيث يولد الخطاب قبل أن يتحول إلى رصاص.
موريتانيا، في هذا السياق، لا تقدم نفسها مجرد دولة مضيفة، بل منصة.. منصة تتقاطع فيها جهود الدولة مع مشروع فكري يقوده العلامة عبد الله بن بيه، رئيس منتدى أبوظبي للسلم.
هذا التلاقي بين السياسي والفكري، بين الرسمي والمجتمعي، جعل نواكشوط واجهة معركة مختلفة، معركة لا تُدار من غرف العمليات، بل من ساحات النقاش، ومن إعادة بناء المعنى في وعي الشباب.
زرت موريتانيا في هذه الأيام، وفي قلب المؤتمر التقيت علماء وساسة ونشطاء قدموا من مناطق الساحل المشتعلة، كانوا يأتون إلى نواكشوط كما لو أنهم يهرعون إلى محطة إسعاف أخيرة، الجميع يدرك أن النار التي التهمت قراهم ومدنهم لا يمكن إطفاؤها بالوسائل القديمة، كانوا يبحثون عن إجابات عاجلة، عن أدوات تحمي مجتمعاتهم من الانهيار، وتمنع تحويل أبنائهم إلى وقود لحروب بلا نهاية.
في أروقة المؤتمر، كان واضحا أن الإحساس بالخطر بلغ درجة غير مسبوقة، التطرف لم يعد مسألة أمنية تخص الجيوش فقط، بل تهديدا وجوديا للمجتمع نفسه.
حين يُقتل المعلم لأنه يدرّس، ويُجبر الإمام على ترديد خطاب لا يؤمن به، وتُغلق المدارس باسم الشريعة، يصبح الصمت مشاركة في الجريمة.. هنا يتقدم فقه السلم باعتباره واجب الوقت، لا ترفا فكريا.
بدت نواكشوط مستعدة، ليس بمعنى الجاهزية الكاملة، بل بالإرادة. وبدت مؤسسات منتدى أبوظبي للسلم، ومن يقفون خلفه، مدركين أن هذه الحرب قد تطول، وقد لا تكون سهلة أبدا.. حرب على خطاب متجذر في اليأس، ومتغذ على المظلومية، ومسلح بنصوص مبتورة. لكنهم يدركون أيضا أن كسبها ممكن، شرط أن تُخاض حيث يجب، في المدرسة، في المسجد، في القرية، وفي خيال الشباب.
ما يطرحه هذا المسار ليس بديلا عن الأمن، بل مكملا ضروريا له. فالأمن بلا معنى أخلاقي هش، والمعنى بلا حماية أمنية معرض للاختطاف. وبين الاثنين، يفتح فقه السلم ممرا ضيقا لكنه حاسم، يمنح المجتمعات أدوات الدفاع عن ذاتها، ويعيد إليها ثقتها بأنها قادرة على مقاومة هذا السرطان دون أن تفقد روحها.
في أفريقيا اليوم، المعركة ليست فقط على الأرض، بل على العقل. ومن نواكشوط، يبدو أن ثمة من قرر أخيرا خوضها في ميدانها الصحيح.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة