«داعش» في ساحل أفريقيا.. صعود يختبر النيجر
وصول داعش إلى قلب النيجر يشي بأن التنظيم الإرهابي أعاد ترتيب صفوفه وأوراقه في ساحل أفريقيا بما يمكنه من اختراق أي نظام أمني بالمنطقة.
ويرى خبراء متخصصون في شؤون الساحل الأفريقي أن الهجوم الذي استهدف مطار نيامي الدولي يكشف عن قدرة التنظيم على ضرب العاصمة مباشرة، رغم الدعم الأمني الروسي للنظام العسكري بالبلد الأفريقي.
وبحسب قراءاتهم، يقول الخبراء إن الهجوم يعكس تصاعد نفوذ الجماعات الإرهابية في ساحل أفريقيا وتعقيد المشهد الأمني بالمنطقة، كما يضع القيادة العسكرية في النيجر أمام اختبار استراتيجي حقيقي بشأن قدرتها على حماية المؤسسات الحيوية وضمان الاستقرار وتحقيق التوازن بين تعزيز القدرات المحلية والتعاون الخارجي.
والأسبوع الماضي، دوت أصوات إطلاق النار والانفجارات حول المطار الدولي ديوري هاماني في نيامي، حيث استهدفت العاصمة مباشرة بهجوم أعلن تنظيم داعش في الساحل الأفريقي مسؤوليته عنه بعد يومين.
«اختبار»
في قراءته، يرى الدكتور مهاماني رابيو صادِيكو، الباحث في مركز تيمبكتو للدراسات الإستراتيجية حول ساحل أفريقيا، أن "رد فعل النيجر العسكري تجاه الهجوم على مطار نيامي يعكس قدرة المجلس العسكري على حماية الدولة ومؤسساتها الاستراتيجية".
وفي حديث لـ"العين الإخبارية"، يقول صادِيكو إن ما تقدم يشكل "مؤشرا إيجابيا على توجه القيادة للسيطرة على الأمن المحلي في ظل توسع الجماعات الإرهابية".
ويضيف أن "استهداف قاعدة جوية ومطار دولي في العاصمة نيامي لم يُضعف فقط المعنويات، بل قدم اختبارًا حقيقيًا لقدرة القوات الأمنية على المواجهة".
وبحسب صادِيكو، فإن "التعاون الأمني مع الشركاء مثل روسيا وفيلق أفريقيا ساهم -رغم الانتقادات- في احتواء الهجوم من خلال رد فعل جوي وبري سريع، مما يشير إلى أن المجلس العسكري استطاع تفعيل شراكاته الاستراتيجية بشكل فعال دون الاستغناء عن قدراته".
وشدد على ضرورة أن "يُقرأ هذا الأمر في سياق تعزيز قدرات النيجر وليس إضعافها".
كما اعتبر أن استمرار حركة الطيران بعد الهجوم واستئناف الحياة في نيامي يعكس نضج القيادة العسكرية في إدارة الأزمات، وقدرتها على منع الذعر وإعادة الاستقرار بسرعة، وهو ما يعزز ثقة المواطنين في المجلس بدلًا من تبني مواقف تشكك في قدرته.
وما حدث، وفق الخبير، "يجب أن يكون درسًا لتعزيز القدرات الداخلية أكثر من الاعتماد على القوى الأجنبية"، مشيرا إلى أن "المجلس العسكري أثبت أنه قادر على الاستجابة السريعة والتخطيط الاستراتيجي لمواجهة التهديدات الإرهابية، وهو ما يدعم شرعيته في قيادة النيجر خلال الفترة الحالية".
تحدٍّ أمني
من جانبه، يعتبر الدكتور مارك ويدراوجو، الباحث في مركز تمبكتو للدراسات الاستراتيجية بالساحل الأفريقي، أن الهجوم على مطار نيامي يشكل تحديًا أمنيًا حقيقيًا.
ويقول ويدراوجو، في حديثه لـ"العين الإخبارية"، إن "قوة رد فعل المجلس العسكري تكمن في صد الهجوم في وقت وجيز نسبيًا، مما يُظهر قدرة الدولة على الدفاع عن مؤسساتها حتى في أصعب الظروف".
ورأى أن هذه القدرة المتجددة تعطي الرسالة بأن المجلس لديه العزيمة لوقف تمدد الجماعات الإرهابية.
وبالنسبة للخبير، فإن "التعاون مع القوات الروسية وفيلق أفريقيا وفر دعماً تكتيكياً مهمًا بمواجهة التنظيمات المسلحة، وهو ما أتاح للمجلس العسكري في النيجر إظهار مستوى من التنسيق الأمني الدولي قد لا يتوفر في تحالفات أخرى".
وقال إن "هذا النوع من التعاون يجب ألا يُنظر إليه كخضوع، بل كشراكة استراتيجية لتعزيز القدرات المحلية".
وأضاف الباحث أن رد المجلس العسكري سريعًا على الهجوم واستعادة السيطرة على المطار في غضون ساعات، هو دليل على كفاءة التخطيط العسكري والقدرة على إدارة الأزمات.
وأشار إلى أن "ما حدث يعزز ثقة المواطنين في القيادة الحالية، بما يعني أن المجلس العسكري يمكن أن يكون عامل استقرار وسط محيط غير مستقر".
ولفت أويدراوجو إلى أن الحادثة يمكن أن تكون نقطة انطلاق لتعزيز الاستراتيجيات الدفاعية في النيجر ودول الساحل عامة، وتأتي كفرصة للمجلس لإعادة تقييم آليات التعاون الإقليمي والدولي.
وأيضًا يمكن استثمارها، يتابع، لـ"إعادة النظر في أساليب التصدي للإرهاب بشكل يدمج بين القدرات المحلية والدعم الخارجي دون أن يفقد المجلس السيطرة على قراره السيادي".
ووفقًا للسلطات في النيجر، استمر الهجوم نحو ساعة واحدة وتم صدّه بعد "رد فعل جوي وبري"، بحسب مجلة "لوبوان" الفرنسية.
وأوضح البيان الرسمي مقتل 20 مهاجمًا وأسر 11 آخرين، مع إصابة 4 جنود من النيجر.
فيما أكدت الخارجية الروسية لاحقا مشاركة عناصر من "فيلق أفريقيا"، الوحدة التابعة لوزارة الدفاع الروسية، في تأمين الموقع إلى جانب قوات النيجر.
وقبل يومين، نشر تنظيم «داعش في الساحل» مقطع فيديو تم تصويره خلال الهجوم، يظهر عشرات المهاجمين المسلحين، بعضهم على دراجات نارية، وهم يتقدمون في المنطقة العسكرية للمطار.
صعود وردود فعل
ورغم مواجهة النيجر لإرهاب «جماعة دعم الإسلام» التابعة للقاعدة، ولـ«داعش الساحل» منذ عقد، تظل الهجمات المباشرة على العاصمة نادرة.
غير أن الأيام التي سبقت الهجوم شهدت إعلان التنظيم الإرهابي تدمير مركبة عسكرية شرق نيامي، في مؤشر على تصاعد الضغط بالقرب من السلطة المركزية.
وتأتي هذه التهديدات في حين أعادت الحكومة العسكرية النيجرية تشكيل تحالفاتها الأمنية بشكل كبير بعد الانقلاب في 26 يوليو/تموز 2023، إذ اقتربت من موسكو وقطعت علاقاتها مع بعض الشركاء الغربيين.
ومع رحيل القوات الفرنسية نهاية 2023، انسحبت الولايات المتحدة تدريجيًا من البلاد في 2024، مع الحفاظ على قنوات دبلوماسية مفتوحة.
وفي خطاب حاد، اتهم رئيس النيجر الجنرال عبد الرحمان تياني فرنسا وبنين وكوت ديفوار بـدعم الهجوم، وهو ما أدانته العواصم المذكورة فورا، مع استدعاء السفيرة النيجرية في كوت ديفوار احتجاجًا على الاتهامات.
رمزية الهدف
يتجاوز المطار في نيامي رمزيته، إذ يضم قاعدة جوية ومقر القوة المشتركة لمكافحة الإرهاب بين النيجر ومالي وبوركينا فاسو، بالإضافة إلى مستودع كبير لمركزات اليورانيوم، وهو مخزون يُعد جزءًا من النزاع مع الشركة الفرنسية "أورانو"، وقد يُنقل إلى روسيا، بينما لم تحدد النيجر بعد خطة لوجستية لنقله.
ورغم الهجوم، استأنفت حركة الطيران في اليوم التالي، وعادت الحياة إلى أحياء العاصمة بشكل شبه طبيعي.
ومع ذلك، يشكل الهجوم نقطة تحول مهمة، إذ أظهر ضرب مركز لوجستي وعسكري في قلب العاصمة قدرة داعش على التهديد، في حين تؤكد المشاركة الروسية التحول الأمني في النيجر، ما قد يفاقم التوترات الإقليمية مستقبلًا.