«القاعدة» يضرب مالي بـ«الإرهاب الاقتصادي».. إعدامات ميدانية وتدمير قوافل
تصعيد دموي جديد يضرب غرب مالي، حيث حوّل تنظيم القاعدة الطرق الحيوية إلى ساحات إعدام مفتوحة، مستهدفًا قوافل الوقود في محاولة لخنق المدن وشلّ الدولة.
ونفذ عناصر من «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» الإرهابية المرتبطة بتنظيم القاعدة، إعدامات ميدانية لما لا يقل عن 15 سائقًا، الخميس، في هجوم دموي استهدف قافلة صهاريج وقود غرب مالي، وفق ما أفادت مصادر محلية وأمنية لوكالة فرانس برس.
وقال مصدر أمني، طلب عدم الكشف عن هويته، إن المهاجمين اعترضوا القافلة، قبل أن يقوموا بعصب أعين السائقين وإعدامهم من مسافة قريبة جدًا، في واحدة من أكثر الهجمات دموية خلال الأسابيع الأخيرة.
الهجوم وقع على الطريق الرابط بين الحدود السنغالية ومدينة كايس الكبرى، المعروفة بـ«مدينة الذهب»، حيث أكد مسؤولون محليون تدمير عشرات صهاريج الوقود، وسقوط قتلى من العسكريين والمهاجمين خلال الاشتباكات التي أعقبت الهجوم.
أول إعدامات ميدانية للسائقين
ويُعد هذا الهجوم سابقة نوعية في تكتيكات الجماعة الإرهابية، إذ إنها المرة الأولى التي يُقدم فيها المسلحون على إعدام سائقي شاحنات بشكل مباشر وممنهج، رغم أن سائقي شاحنات كانوا قد قضوا في هجمات سابقة استهدفت قوافل أو طرق إمداد.
وكانت الجماعة قد أعلنت، في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، عبر مقطع مصور، أن جميع سائقي شاحنات الوقود سيُعتبرون «أهدافًا عسكرية»، في تهديد صريح عكس انتقالها من استهداف البنية التحتية إلى استهداف العنصر البشري المرتبط بسلاسل الإمداد.
وفي بيان اطلعت عليه وكالة فرانس برس، اكتفت الجماعة بالقول إنها نصبت كمينًا للجيش المالي الخميس بين بلدة ديبولي على الحدود مع السنغال ومدينة كايس، من دون الإشارة صراحة إلى الهجوم على صهاريج الوقود أو إعدام السائقين.
وخلال اجتماع عُقد الأحد بين ممثلي سائقي الشاحنات والسلطات المالية، طالب السائقون بأن يتولى الجيش بنفسه سحب الجثث التي كانت لا تزال في موقع الهجوم، في مؤشر على حجم الصدمة والخوف الذي خلّفه الاعتداء، وعلى خطورة الطرق التي تحولت إلى مسارح مفتوحة لرسائل الإرهاب.
إرهاب اقتصادي
ويأتي هذا الاعتداء في سياق تصعيد لافت يعتمد فيه تنظيم القاعدة على تكتيك «الحصار الاقتصادي»، عبر استهداف قوافل الإمداد والوقود، بالتوازي مع شن هجمات خاطفة ضد الجيش المالي والقوات الموالية له، ما فاقم أزمة الوقود والمواد الأساسية في عدد من المدن.
وخلال الأشهر الماضية، وسّعت الجماعة الإرهابية نطاق تحركاتها من معاقلها التقليدية في وسط مالي، مثل موبتي وباندياغارا وكورو وبانكاس، باتجاه الجنوب، في مسعى محسوب لتشتيت انتشار الجيش الذي يركز جهوده في الشمال والوسط.
ويندرج هذا التحرك ضمن استراتيجية مرحلية لإعادة تجميع القوة وتوسيع النفوذ الجغرافي، تمهيدًا لشن هجمات أوسع في المناطق التي اعتاد التنظيم العمل فيها، وسط هشاشة أمنية متزايدة ومعاناة إنسانية متفاقمة للسكان.
وكان معهد تمبكتو، وهو مركز أبحاث مقره داكار، وصف في دراسة اطلعت عليها «العين الإخبارية» نهاية العام الماضي، خلص إلى أن «جماعة نصرة الإسلام» باتت تعتمد استراتيجية تقوم على الحصار الاقتصادي المنهجي، لا على الضربات العسكرية المعزولة، في توصيف دالّ على تحوّل نوعي في نشاط الإرهاب بجنوب وغرب مالي.
واعتبرت الدراسة منطقة كايس هدفًا استراتيجيًا رئيسيًا للجماعة، نظرًا لدورها الحيوي في الاقتصاد المالي، إذ تُنتج نحو 80% من ذهب البلاد، وتمر عبرها قرابة 30% من واردات مالي البرية، خاصة الوقود والحبوب، عبر الطريق الوطني رقم 1 الرابط بين ميناء داكار والعاصمة باماكو.
ووفق المعهد، تسعى الجماعة الإرهابية إلى تعطيل هذه الشرايين الحيوية بهدف «زعزعة استقرار الاقتصاد المالي أو حتى خنقه»، وعزل باماكو، وزيادة الضغط الاقتصادي على السلطات الانتقالية.
ويشير إلى أن الهجمات المتكررة على قوافل الصهاريج ومشاريع الطرق والمواقع الصناعية والتعدينية تعكس رغبة واضحة في شل حركة التجارة وفرض ما وصفه الباحثون بـ«سيطرة اقتصادية موازية»، تقوم على التحكم في الوقود والنقل وفرض الإتاوات، بما يقوض شرعية الدولة ويحول الجماعة إلى سلطة أمر واقع في بعض المناطق.