هجوم مطار نيامي.. مسار مقلق للنيجر باتجاه «الممر الأسود»
إطلاق نار وانفجارات شهدتها نيامي، عاصمة النيجر، ليل الأربعاء – الخميس، ما أثار مخاوف من تدهور أمني جديد في بلد يعاني هشاشة الاستقرار ومنطقة مليئة بالاضطرابات.
وتسود حالة من الغموض في النيجر، بعدما سمع دوي إطلاق نار كثيف وانفجارات عنيفة خلال ساعات الليل في محيط مطار نيامي الدولي، وفق ما أفاد به سكان محليون. وأكد هؤلاء أن الهدوء عاد لاحقا إلى المنطقة، بحسب مجلة "جون أفريك" الفرنسية.
وبحسب شهادات سكان من أحياء قريبة من المطار، بدأت أصوات إطلاق النار تسمع "بعد منتصف الليل بقليل"، قبل أن تتوقف بعد نحو ساعتين، حيث عادت الأوضاع إلى طبيعتها.
وأظهرت مقاطع مصورة، التقطها سكان محليون، خطوطا ضوئية طويلة في سماء العاصمة، ما يرجح استخدام أنظمة دفاع جوي، يحتمل أنها استخدمت للتصدي لهجوم بطائرات مسيرة، كما أظهرت صور أخرى ألسنة لهب مرتفعة وعددا من المركبات المحترقة، دون تأكيد رسمي لحجم الأضرار أو الخسائر البشرية.
ولم تصدر سلطات النيجر، حتى الآن، بيانا رسميا يوضح أسباب ما جرى أو طبيعة التهديد، ما زاد من حالة الغموض والتكهنات في الشارع المحلي.
الممر الأسود
ويرى أستاذ العلوم السياسية، والباحث الأمني النيجري، المتخصص في أمن الساحل الافريقي، الفولاهانمي آينا، أن ما حدث في محيط مطار نيامي، ليس حادثاً معزولاً، بل هو نتيجة طبيعية لتشابك أزمات عميقة في النيجر والمنطقة ككل.
وأكد آينا، في حديث لـ"العين الإخبارية" أن حادث إطلاق النار والانفجارات قرب مطار نيامي، رغم عودة الهدوء لاحقاً، يمكن فهمه في إطار أبعاد أعمق، من توسع نفوذ الجماعات المسلحة، موضحاً أن التحركات الأخيرة للمجموعات المسلحة أظهر قدرة على استهداف مواقع حساسة، ما يشير إلى قدرات لوجستية واستخبارية متقدمة نسبيًا.
واعتبر أن هذا مصدر قلق ليس فقط للأمن الداخلي، بل أيضاً للاستقرار الإقليمي، إذ يمكن أن تصبح النيجر جزءاً من ما يعرف بـ"الممر الأسود" الذي يمتد من شمال شرق مالي إلى جنوب غرب النيجر، الذي تنشط فيه الجماعات المسلحة.
انعكاسات اقتصادية وأمنية
ولفت أستاذ العلوم السياسية إلى أن وجود شحنات استراتيجية مثل اليورانيوم وتكدس السلع الحيوية في مواقع حساسة يضيف بعداً إضافياً للأمن القومي، موضحاً أن توسيع دائرة الهجوم قد يؤثر على الاقتصاد الوطني والاستثمارات، ويجعل البلاد هدفاً ليس فقط للجماعات المسلحة، بل أيضاً للجهات التي ترى في تدهور الاستقرار فرصة للتأثير السياسي والاقتصادي.
وأوضح آينا أن الانقلاب الذي نفذه الجنرال عبد الرحمن تياني في يوليو/تموز 2023 ليس مجرد تغيير في السلطة، بل مثل نقطة تحول استراتيجية في مسار النيجر السياسي والأمني.
وقبل الانقلاب، كانت العلاقات مع شركاء خارجيين كفرنسا والاتحاد الأوروبي أساساً في جهود مكافحة العنف المسلح، موضحاً أنه مع إزاحة الرئيس السابق محمد بازوم، تحولت النيجر إلى نظام عسكري واعٍ لرغبته في إعادة تشكيل بنيته القومية بعيداً عن النفوذ الغربي، وهو ما دفع البلاد إلى الانسحاب من بعض التنسيقات الإقليمية التقليدية والسعي إلى تحالفات جديدة داخل الساحل، بحسب آينا.
أسباب التوتر الأمني والسياسي
ووفقاً للخبير الأمني، فإن تراجع التنسيق الدولي ضد العنف المسلح بعد طرد القوات العسكرية الفرنسية والأجنبية تدريجياً عقب الانقلاب، تعرضت قدرات القوات الأمنية بالنيجر لضغط متزايد، إذ لم تعد هناك منظومة دعم استخبارية وميدانية متكاملة كما كان قبل 2023.
ورأى أن هذا التراجع خلق فراغاً أمنياً في المناطق الحدودية الغربية والجنوبية الشرقية للنيجر، استغله عناصر الجماعات المسلحة للتوسع والظهور بقوة.
كما اعتبر آينا أن هناك تحولات في استراتيجية دول الساحل "النيجر، مثل مالي وبوركينا فاسو، أعادت تشكيل سياستها في مواجهة الإرهاب، عبر تبني نهج استقلالي يتجه نحو تقليص الاعتماد على القوى الغربية، والسعي نحو بناء تحالفات أقوى مع دول مماثلة، وإنشاء قوة عسكرية مشتركة في نيامي.
وأضاف أن مثل هذه التحولات، رغم أنها تهدف لتعزيز السيادة، تؤدي في الوقت نفسه إلى تراجع التنسيق مع شرائح من المجتمع الدولي المتمرس في مكافحة الجماعات المسلحة، ما يساهم في زيادة المخاطر الأمنية.
الفراغ السياسي
وأشار آينا إلى أن الفراغ السياسي يزيد من توتر العلاقات مع دول الجوار ومنظمات إقليمية مثل "إيكواس"، ويقلل من فرص الحصول على دعم سياسي أو اقتصادي فعال، هذا التوتر ينعكس على قدرة الجيش على التعبئة الشعبية لمواجهة التهديدات، ويزيد من احتمال اندلاع مواجهات أمنية غير منسقة داخل المدن الكبرى مثل نيامي.
أهمية استراتيجية لمطار نيامي
ويقع مطار ديوري هاماني الدولي على بعد نحو عشرة كيلومترات من القصر الرئاسي، ويعد موقعا بالغ الحساسية، إذ يضم قاعدة لسلاح الجو النيجري، وقاعدة طائرات مسيّرة أُنشئت حديثا، والمقر العام للقوة الموحدة التي أسستها كل من النيجر ومالي وبوركينا فاسو لمواجهة الجماعات الإرهابية.
كما أفادت تقارير بوجود شحنة كبيرة من اليورانيوم (تعد النيجر أحد أبرز منتجيه عالميا)، مخزنة داخل المطار في انتظار تصديرها، ما يرفع من الأهمية الأمنية للموقع.
ووفق حساب التحليلات مفتوحة المصدر "برانت" على منصة "إكس"، جرى تحويل مسار طائرة مدنية قادمة من الجزائر، كانت مقررة أن تهبط في نيامي ليلا، إلى بوركينا فاسو في إجراء احترازي يعكس خطورة الوضع خلال ساعات التوتر.
دعوات للتعبئة
ورغم عودة الهدوء قرابة الساعة الثانية فجرا، دعا مؤيدون للمجلس العسكري الحاكم السكان إلى الخروج في شوارع نيامي من أجل "الدفاع عن البلاد"، ما أثار مخاوف من اتساع رقعة التوتر داخل العاصمة.
وأفاد سكان من محيط المطار بسماع صفارات سيارات الإطفاء وهي تتجه نحو الموقع.
تصاعد الاضطرابات
ويعاني النيجر، إلى جانب جارتيه مالي وبوركينا فاسو اللتين تخضعان أيضا لحكم عسكري، من تصاعد العنف الإرهابي، لا سيما في الجزء الغربي من البلاد.
كما تواجه النيجر هجمات دامية تنفذها جماعة "بوكو حرام" وتنظيم "داعش" في غرب أفريقيا (إيسواب)، في الجزء الجنوبي الشرقي من البلاد.
aXA6IDIxNi43My4yMTYuMTQg جزيرة ام اند امز