مواقف متباينة وتحذيرات.. «القضاء الأعلى» على خط أزمة المالكي بالعراق
دخل مجلس القضاء الأعلى في العراق، على خط التطورات السياسية والتصعيد الأمريكي تجاه ترشيح الإطار التنسيقي (الشيعي)نوري المالكي رئيسا للوزراء.
وأكد المجلس موقعه كمرجعية دستورية حارسة لمسار الدولة، مطلقاً رسالة واضحة إلى القوى السياسية بضرورة الالتزام الصارم بالتوقيتات الدستورية ومنع أي تدخل خارجي في الاستحقاقات السيادية.
وخلال جلسته المنعقدة صباح الخميس، شدد مجلس القضاء الأعلى على أن استكمال إجراءات تعيين رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء يجب أن يتم حصراً ضمن الأطر الدستورية والقانونية، وبما يحفظ الاستقرار السياسي وسير العملية الديمقراطية، محذراً من أن أي تجاوز أو خرق لهذه التوقيتات يفتح الباب أمام أزمات داخلية وتعقيدات خارجية تمس سيادة البلاد.
وجاء موقف القضاء في وقت يشهد فيه العراق انقساماً سياسياً حاداً، على خلفية ترشيح رئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي لرئاسة الوزراء، وما تبعه من رفض علني وصريح من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مرفقاً بتهديدات بوقف الدعم الأمريكي للعراق، الأمر الذي اعتبرته قوى سياسية تدخلاً مباشراً في الشأن الداخلي.
"خط أحمر"
مجلس القضاء الأعلى، أكد في بيان اطلعت عليه "العين الإخبارية"، أن احترام المدد الدستورية يمثل ركناً أساسياً في حماية النظام السياسي ومنع الانزلاق نحو الفوضى أو الفراغ، داعياً جميع الأحزاب والقوى السياسية إلى تغليب منطق الدولة والمؤسسات على منطق الصراع والمكاسب الضيقة، مع التأكيد على رفض أي تدخل خارجي يؤثر في القرار الوطني أو يفرض مسارات لا تنسجم مع الإرادة العراقية.
ويرى مراقبون أن هذا الموقف يعكس قلقاً متزايداً من محاولات تسييس الاستحقاقات الدستورية أو إخضاعها لضغوط إقليمية ودولية، في لحظة توصف بأنها من أكثر المراحل حساسية منذ عام 2003.
مواقف سياسية متباينة
بالتوازي مع موقف القضاء، تباينت مواقف القوى السياسية حيال الأزمة. إذ دعا السياسي يزن مشعان الجبوري، نوري المالكي، إلى التنازل عن الترشيح، محذراً من أن الإشارات الدولية الراهنة لا يمكن التعامل معها بخفة أو إنكار.
وأكد أن العراق يقف أمام “اختبار حقيقي لطبيعة الدولة ومتانة النظام السياسي”، وأن أي تصعيد غير محسوب قد يجر البلاد إلى كلف سياسية وأمنية واقتصادية باهظة.
في المقابل، تمسك المالكي بترشيحه، ورفض بشكل قاطع تصريحات ترامب، معتبراً إياها “تدخلاً أمريكياً سافراً وانتهاكاً لسيادة العراق”، مؤكداً استمراره في الترشح استناداً إلى قرار الإطار التنسيقي، وأن لغة الإملاءات والتهديد مرفوضة في العلاقات بين الدول.
ودافع ائتلاف دولة القانون عن ترشيح المالكي، معتبراً أنه يحظى بـ”قبول وطني”، نافياً وجود فيتو داخلي حقيقي على اسمه.
فيما ذهب حزب الدعوة الإسلامية إلى أبعد من ذلك، محذراً من أن أي رضوخ للضغوط الخارجية يفتح ثغرة خطيرة في القرار الوطني، ومؤكداً أن المالكي “شخصية وطنية” تحملت مسؤوليات جسيمة بعد عام 2003.
تحذيرات سنية وكردية
في السياق ذاته، عبّر رئيس حزب تقدم محمد الحلبوسي، عن تحفظه على عودة المالكي، محذراً من “العودة إلى أيام عجاف مؤلمة”، ومطالباً بمراعاة القبول الوطني.
من جهتها، اعتبرت مصادر كردية أن الرفض الأمريكي العلني لترشيح المالكي كشف المبالغة في تصوير نفوذ الحزب الديمقراطي الكردستاني داخل واشنطن، مشيرة إلى أن صورة “القبول الأمريكي” التي جرى الترويج لها خلال السنوات الماضية لم تكن واقعية.
على الصعيد الديني، استنكر مجلس علماء الرباط المحمدي، أي تدخل خارجي في مسار اختيار رئيس مجلس الوزراء، مؤكداً أن هذا الاستحقاق شأن دستوري سيادي خالص، تحكمه نصوص الدستور العراقي، في موقف ينسجم مع تحذيرات القضاء من خطورة تسييس المسار الدستوري.
وفي ظل هذا المشهد المتشابك، يبرز موقف مجلس القضاء الأعلى كعامل توازن حاسم، يحاول إعادة ضبط إيقاع العملية السياسية ومنع انزلاقها نحو صدام داخلي أو ارتهان خارجي.
فدعوة القضاء ليست مجرد توصية إجرائية، بل إنذار مبكر من مخاطر تجاوز الدستور وتحويل الاستحقاقات الوطنية إلى ساحة صراع إقليمي ودولي، وفق المراقبين.