الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران والعمليات العسكرية التي طالت لبنان وتحييد العراق، اتسعت رقعتها مع الهجمات الإيرانية المستمرة التي استهدفت دول الخليج العربي والأردن، إضافةً إلى دول الجوار لإيران مثل تركيا وأذربيجان.
ولم تُدِر طهران هذه الحرب بطريقة تحافظ على مبدأ سيادة الدول وحسن الجوار لدول الخليج العربي أو تترك مسارات مفتوحة لاحتواء التصعيد والعودة إلى طاولة التفاوض. بل إن استراتيجية استهداف دول الخليج العربية والأردن، إضافة إلى دول الجوار الإيراني، تعكس – بصورة أو بأخرى – الرؤية الملالية التي لا تحترم سيادة الدول والقائمة على تصدير الثورة الشيعية للبلدان العربية، وهذه الأيديولوجية تقوم على توسيع النفوذ الإقليمي والتأثير المذهبي، مع تجاوز سيادة الدول.
وفي هذا الشأن صدر قرار مجلس الأمن رقم 2817 عن مجلس الأمن في 11 مارس/آذار 2026، حيث أدان الهجمات الإيرانية بشكل عام، وعلى دول الخليج والأردن بشكل خاص، واعتبرها انتهاكًا للقانون الدولي وتهديدًا للسلم والأمن الدوليين، داعيًا إلى وقف الهجمات فورًا، ومؤكدًا حق حماية المدنيين والبنية التحتية وحرية الملاحة الدولية في مضيق هرمز.
حقيقةً، مازالت طهران تتعاطى في هذه الحرب ليس من منظور الدولة القومية التي تهتم بوحدة البلاد ومصالح الشعب، بل من منظور نظام ثيوقراطي يسعى إلى حماية بنيته السياسية والأيديولوجية، ويستند إلى رؤية جيوسياسية ذات أبعاد مذهبية توسعية.
تناقش هذه المقالة خمسة محاور رئيسية: محاولة احترام السيادة، ومعضلة الوطنية والولاء، وأهمية الخليج دوليًا وإقليميًا وحضاريًا، مع مسارات الصراع والحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران، ودور دول الخليج والأردن في الردع والوساطة، وأخيراً، التصورات المستقبلية المحتملة.
فالمقالة تهدف إلى تقديم رؤية شاملة لفهم ديناميات هذه الحرب وأثرها على شعوب وأمن واستقرار منطقة الخليج والشرق الأوسط.
أولًا: محاولة احترام السيادة
مثّلت رسالة التهنئة التي بعث بها سُّلطان عمان هيثم بن طارق إلى المرشد الإيراني الجديد مجتبي خامنئي محاولةً لإظهار وإعادة احترام السيادة وتعزيز العلاقات الدبلوماسية بين دول الجوار. غير أن الاعتداء الذي استهدف خزانات الوقود والبنية التحتية في ميناء صلالة بسلطنة عُمان، حيث أدى إلى اندلاع حرائق وتعليق عمليات الميناء مؤقتًا، قد ألقى بظلاله على هذه المبادرة، إذ يشير إلى إصرار بعض مراكز القرار في إيران على توسيع نطاق الحرب وتداعياتها الإقليمية والدولية. كما يفتح هذا الوضع نقاشًا وجدلاً حول التناقض في الخطاب الإيراني بين الدعوة والتأكيد على احترام سيادة الدول وحسن الجوار، وبين العمليات العسكرية ضد دول الجوار كطريقة لمواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل، وهو تناقض يتضح في الممارسات العسكرية والسياسية على أرض الواقع.
ثانيًا: معضلة المواطنة والولاء
كشفت هذه الحرب الوجه المظلم للولاء الأعمى، إذ يختار بعض الأفراد مصالح النظام أو الأيديولوجية على حساب وطنهم، متجاهلين حقوق مجتمعهم وأمنه. هذا الولاء المعكوس لا يعكس شرف الانتماء، بل يضع الوطن في مواجهة تهديدات مباشرة، ويبرز هشاشة القيم الوطنية حين يُضحى بها لمصلحة أجندات خارجية أو أيديولوجية ضيقة متصادمة مع الوطن.
ثالثاً: أهمية الخليج في المعادلة الدولية
1. البعد الدولي: أمن الطاقة العالمي
يشكل الخليج العربي أحد أهم مراكز الطاقة في العالم، إذ يمر عبر مضيق هرمز نحو 20 مليون برميل من النفط يوميًا، أي ما يقارب 20% من الاستهلاك العالمي. ورغم وجود مسارات بديلة لتصدير النفط، فإن هذه البدائل لا تلغي الأهمية الحيوية للمضيق في منظومة الطاقة العالمية.
أما في قطاع الغاز، فتبلغ صادرات دول الخليج، بما في ذلك إيران، نحو 230–240 مليار متر مكعب سنويًا، في حين يتراوح الاستهلاك العالمي بين 4,000 و4,100 مليار متر مكعب سنويًا. وبذلك تمثل صادرات دول الخليج قرابة 5–6% من الاستهلاك العالمي. مقابل ذلك تستحوذ دول الخليج مجتمعة على نحو 20–25% من تجارة الغاز الطبيعي المسال (LNG) عالميًا. وتُشير هذه المؤشرات إلى أن أي اضطراب أمني في الخليج ينعكس مباشرة على الاقتصاد العالمي، والصناعة، وسلاسل الإمداد الدولية.
2. البعد العربي والإقليمي
يمثل الخليج مركز الثقل الاقتصادي في العالم العربي، إذ ارتبطت مسارات التنمية العربية تاريخيًا بموارد دول الخليج العربي واستقراره السياسي والأمني، كما لعبت الاستثمارات الخليجية دورًا مهمًا في دعم الاقتصادات العربية.
3. البعد الحضاري والديني
يحمل الخليج بعدًا حضاريًا ودينيًا عميقًا، فهو مهبط الإسلام ومهد الحضارة العربية والإسلامية. وعلى الضفة المقابلة تقع إيران التي تمثل فضاءً حضاريًا فارسيًا إسلاميًا، مما يجعل التفاعل بين الهوية الدينية والجغرافيا السياسية عنصرًا مؤثرًا في تشكيل التوازنات الإقليمية وفهم طبيعة التنافس والتعاون والتبادل التاريخي بين المجالين العربي والفارسي.
رابعًا: مسارات الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران
1. مسار التصعيد
• انسحاب إدارة دونالد ترامب من الاتفاق النووي عام 2018.
• مقتل قاسم سليماني عام 2020.
• حرب غزة في أكتوبر 2023.
• مقتل إسماعيل هنية يوليو 2024.
• عملية “البيجر” ضد حزب الله سبتمبر 2024.
• مقتل حسن نصر الله 27 سبتمبر 2024.
• سقوط نظام بشار الأسد ديسمبر 2024.
تشير هذه التطورات إلى تآكل محور الممانعة وتحوله من ورقة قوة إقليمية إلى عبء استراتيجي على إيران. وفي 13 يونيو 2025 اندلعت مواجهة مباشرة بين إيران وإسرائيل، أعقبها تدخل الولايات المتحدة وتصاعد العمليات العسكرية، بالتوازي مع تصاعد الاحتجاجات الداخلية في إيران.
2. الأهداف الأمريكية والإسرائيلية
تتمثل أبرز أهداف الحرب في:
• منع إيران من بلوغ العتبة النووية.
• منع بروز قوة إقليمية مهيمنة في الشرق الأوسط ومعادية لمصالح واشنطن والأمن والاستقرار.
• حماية أمن إسرائيل.
• تأمين تدفق الطاقة العالمي.
• منع انتشار أسلحة الدمار الشامل.
• إدارة التوازنات الإقليمية والسلم والأمن عبر القيادة المركزية الأمريكية Centcom.
3. الرد الإيراني والمخاطر
حاولت إيران الرد عبر:
• استهداف مواقع بزعم أنها مرتبطة بالوجود الأمريكي في الخليج والأردن وتركيا وأذربيجان.
• توسيع نطاق التوتر الإقليمي.
• التهديد وخلق فوضى بإغلاق مضيق هرمز كورقة ضغط استراتيجية.
غير أن هذا التصعيد يحمل مخاطر كبيرة، منها احتمال تحول المواجهة إلى حرب إقليمية واسعة.
4. الداخل الإيراني
يتزامن التصعيد الخارجي مع تحديات داخلية متزايدة داخل إيران، منها:
• أزمة اقتصادية ممتدة.
• فجوة متزايدة بين النظام والشعب الإيراني بمكوناته.
• إرهاق شعبي كبير نتيجة العقوبات والضغوط الاقتصادية.
• انقسامات داخلية في مراكز القرار.
• تراجع النفوذ الإقليمي وخسائر عسكرية متراكمة.
5. دول الخليج والأردن بين الردع والوساطة
تحاول دول الخليج والأردن تحقيق توازن دقيق بين تعزيز الردع العسكري والحفاظ على الاستقرار الإقليمي، عبر:
• تعزيز القدرات الدفاعية.
• حماية البنية التحتية الحيوية للطاقة.
• تجنب الانزلاق إلى حرب شاملة.
• لعب دور الوساطة الدبلوماسية عند الإمكان.
• الحفاظ على استقرار سوق الطاقة العالمي.
خامسًا: تصورات مستقبلية محتملة
• السيناريو الأول: انتقال سياسي منظم
قد يؤدي انشقاق داخل المؤسسة العسكرية الإيرانية مع قوة دينية وقومية إصلاحية إلى انتقال سياسي نحو نظام جديد، ربما نظام جمهوري برلماني أو ملكي دستوري، مع إعادة تعريف علاقة إيران بجوارها الإقليمي، والتخلي كليًا عن النظام الثيوقراطي، الأمر الذي يفتح الباب أمام مرحلة استقرار تدريجي في منطقة الخليج مع الحفاظ على وحدة الأراضي والنسيج الاجتماعي والشعبي الإيراني.
• السيناريو الثاني: بقاء النظام مع تعديل سلوكه
قد يستمر النظام القائم مع إدخال تعديلات في سلوكه الإقليمي، بالتوازي مع توقيع اتفاق نووي جديد وتقليص حجم النفوذ العسكري في المنطقة.
• السيناريو الثالث: تصعيد شامل وحرب إقليمية
قد تتوسع المواجهة الحالية إلى حرب إقليمية واسعة تدمر جزءًا كبيرًا من القدرات العسكرية الإيرانية، وتمهد لمرحلة إقليمية أكثر تعقيدًا، تكون ملامحها في السيناريو الرابع.
• السيناريو الرابع: تفكك داخلي وفوضى
قد يقود الصراع داخل مراكز القوى الإيرانية المعبرة عن هويات الشعب الإيراني إلى حالة من التفكك الداخلي، وربما بروز نزاعات انفصالية تؤدي إلى ظهور كيانات متعددة داخل البلاد، وهو سيناريو يحمل مخاطر كبيرة على أمن الخليج واستقرار المنطقة، وربما تخرج دويلات على ضفاف الخليج، وعندها سوف تتغير الخريطة الإيرانية.
ختامًا، إن العقلانية السياسية التي تقوم على الحفاظ على وحدة الأراضي الإيرانية، والأخذ بتطلعات وحقوق الشعب الإيراني في مستقبل أكثر ازدهارًا، وتعزيز حضور الإصلاحيون والقوميون، تظل الخيار الأكثر استقرارًا للمنطقة ولمستقبل إيران. ويتطلب ذلك انتقالًا تدريجيًا أو راديكاليا مفاجئًا من النظام الثيوقراطي إلى نظام سياسي يعكس الإرادة الشعبية بكل مكوناتها، ويوجه موارد البلاد وثرواتها البشرية والاقتصادية نحو التنمية والاستقرار والأمن والدولة القومية القُطرية، ويعيد بناء العلاقات الدولية على مبدأ احترام السيادة والشرعية الدولية والمصالح المتبادلة.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة