تتعرض دولة الإمارات وبعض دول الخليج العربي لهجوم صاروخي إيراني غاشم، في واحدة من أكثر الهجمات كثافة في تاريخ المنطقة.
ورغم ذلك، تسير الحياة في الإمارات بإيقاعها الطبيعي؛ الأسواق تعمل، والعقارات تتداول بأسعار مرتفعة، والأسواق المالية لم تتأثر إلا بشكل محدود، بينما يتجه الناس إلى الشواطئ والمطاعم بكل اطمئنان.
يطرح هذا المشهد سؤالاً مشروعاً: كيف يمكن لدولة تتعرض لهجوم صاروخي بهذا الحجم أن تحافظ على استقرارها الاقتصادي والاجتماعي بهذا الشكل اللافت؟
الحقيقة أن ما نراه اليوم ليس وليد اللحظة، بل هو نتيجة تراكم طويل من التخطيط الاستراتيجي وإدارة الأزمات التي تبنتها القيادة الإماراتية منذ تأسيس الدولة. فالإمارات لا تنتظر الأزمات حتى تتعامل معها، بل تستعد لها مسبقاً وتبني منظومات متكاملة تجعل إدارة الأزمات أكثر سهولة وفاعلية.
إلى جانب الهجوم الصاروخي، تواجه الإمارات أيضاً هجوماً إعلامياً يهدف إلى ضرب الاقتصاد والسياحة والتشكيك في استقرار المنطقة. ولذلك فإن مواجهة هذه الحملات جزء من إدارة الأزمة، وهذا المقال نفسه يمثل اعتراضاً على تلك السرديات المغرضة التي تسعى إلى بث الخوف والتشكيك.
ولفهم هذا النهج الإماراتي في إدارة الأزمات، يمكن التوقف عند ثلاثة نماذج تاريخية مهمة تعكس رؤية الدولة واستعدادها المسبق.
النموذج الأول: رؤية الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم أثناء الحرب العراقية الإيرانية
خلال الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي، لوّحت إيران بإغلاق مضيق هرمز، وهو الممر البحري الذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية. في تلك الفترة، أدرك المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم أهمية إيجاد بدائل استراتيجية، فعمل مع حكومة الفجيرة على تطوير ميناء الفجيرة المطل على خليج عمان وبحر العرب ليكون منفذاً بديلاً في أوقات الطوارئ. واليوم يقف هذا الميناء شاهداً على الرؤية الاستباقية للقادة المؤسسين الذين فكروا بالمستقبل قبل وقوع الأزمات.
النموذج الثاني: حرب تحرير الكويت وإمداد القوات المشتركة
عندما اندلعت حرب تحرير الكويت، وصلت إلى المنطقة قوات من 32 دولة عربية وأجنبية يقدر عددها بنحو 960 ألف جندي. في ظل توترات عسكرية وارتفاع تكاليف الشحن وتعطل بعض خطوط الإمداد، أصبحت دبي مركزاً لوجستياً رئيسياً لتأمين احتياجات القوات المشتركة. فقد كانت الشركات والمؤسسات في دبي قادرة على توفير المعدات والسلع والخدمات عبر غرفة تجارة دبي، مع الحفاظ في الوقت ذاته على تدفق السلع إلى أسواق المنطقة دون انقطاع.
النموذج الثالث: جائحة كورونا والموقف الإنساني للإمارات
عندما اجتاح العالم وباء كورونا، وهو أحد أخطر الأزمات الصحية في العصر الحديث، أغلقت المطارات وتعطلت سلاسل الإمداد العالمية. في تلك اللحظة الصعبة، طمأن صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس دولة الإمارات المجتمع بعبارته الشهيرة: «لا تشلون هم»، مؤكداً أن الدولة ستوفر الغذاء والدواء للجميع.
لم تكتف الإمارات بتوفير اللقاحات لمواطنيها والمقيمين على أرضها، بل أرسلت أيضاً مساعدات طبية وتطعيمات إلى العديد من الدول حول العالم. كما قامت بتشغيل المصانع المحلية لإنتاج المعدات الوقائية، ومنحت تسهيلات للتجار للاستثمار في مصانع خارجية لتأمين هذه المنتجات، حتى أصبحت الدولة قادرة على تحقيق الاكتفاء الذاتي وتصدير هذه المواد إلى دول أخرى.
هذه النماذج الثلاثة توضح أن الإمارات تبني استراتيجياتها على مبدأ الاستعداد المسبق لكل السيناريوهات. ولذلك فإن إدارة الأزمات، مهما كانت معقدة، تبدو أقل صعوبة عندما تكون الجاهزية موجودة قبل وقوع الحدث. وهذا ما يفسر كيف يمكن لدولة تتعرض لضغوط عسكرية وإعلامية في الوقت ذاته أن تحافظ على استقرارها وثقة مجتمعها واقتصادها، لتقدم نموذجاً متقدماً في إدارة الأزمات على مستوى المنطقة والعالم.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة