نعجب بالنجاح حين يأتي من الغرب، ونسارع إلى الاستفادة من منجزاته، لكننا حين يظهر نجاح عربي حقيقي، يتحول في نظر بعضنا إلى موضع تشكيك بدل أن يكون موضع إلهام.
لفتني طرح الشيخ عبد الله آل حامد، رئيس الهيئة الوطنية للإعلام في الإمارات، لهذه الفكرة؛ لما فيها من جرأة في تشخيص واحدة من أبرز مفارقات خطابنا العربي.
وهذه المفارقة ليست مجرد اختلاف عابر في المواقف، بل تكشف خللاً أعمق في النظر إلى الواقع؛ فبعض العقول تقبل الاعتراف بنجاح الآخر البعيد، لكنها تضيق بالاعتراف بنجاح عربي قريب؛ لأن هذا الاعتراف يفرض سؤالاً محرجاً: إذا كان النجاح ممكناً هنا، فلماذا أخفقت مشاريع أخرى رفعت الشعارات طويلاً ولم تنتج نموذجاً ناجحاً؟
ومن هنا تبرز الإمارات العربية المتحدة بوصفها نموذجاً عربياً يستحق الدراسة والإنصاف؛ فقد اختارت طريق بناء الإنسان، وتطوير التعليم، وتنويع الاقتصاد، وتعزيز المعرفة، والانفتاح على العالم، فانتقلت من حدود الطموح إلى واقع الإنجاز.
والاعتراف بهذا النجاح لا يعني الادعاء بالكمال، وإنما يعني الاعتراف بأن هناك تجربة عربية قدمت نموذجاً عملياً في التنمية والاستقرار وبناء المؤسسات.
ومن يتأمل حضور الإمارات اليوم في العالم يدرك أن المسألة لم تعد مجرد تنمية محلية، بل تحولت إلى صورة عربية جديدة فرضت نفسها عالمياً. فمدينة دبي، على سبيل المثال، أصبحت اسماً حاضراً في الوعي العالمي إلى درجة أن كثيراً من الناس في مدن العالم قد لا يعرفون أسماء دول عربية عديدة، لكنهم يعرفون دبي التي غدت لدى الكثيرين بوابة التعرف إلى المنطقة العربية.
وفي ميدان الإنجاز العلمي والحضاري، لم يعد حضور الإمارات مقتصرًا على الاقتصاد والعمران، بل امتد إلى الفضاء؛ فقد جاء هزاع المنصوري، ثم سلطان النيادي من بعده، ليقدما للعالم صورة عربية مختلفة: عرب يصلون إلى الفضاء، ويشاركون في المعرفة الإنسانية الحديثة، ويثبتون أن أمتنا ليست غريبة عن ميادين العلم الكبرى إذا توافرت الإرادة والرؤية.
كما أن توقيع وثيقة الأخوة الإنسانية شكّل لحظة مفصلية في تقديم صورة أخرى عن المنطقة وعن الإسلام والعرب؛ فمن خلال هذا الحدث أدرك مئات الملايين من المسيحيين في العالم أن قائداً عربياً هو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان استطاع أن يسهم في الوصول إلى وثيقة تاريخية غير مسبوقة بين المسلمين والمسيحيين، في لحظة كان فيها كثيرون في العالم ينظرون إلى منطقتنا من زاوية العنف والاتهام والإرهاب.
وفي السياق نفسه برزت شخصيات علمية وفكرية إماراتية مؤثرة، مثل الشيخ عبد الله بن بيه، الذي تجاوز حضوره الإطار المحلي إلى التأثير في الخطاب العالمي نفسه.
وتزداد دلالة هذا النموذج حين ننظر إلى طبيعة الحياة داخل الإمارات، حيث تعيش أكثر من مئتي جنسية في مساحة من السلم والتناغم والتعايش، في صورة تؤكد أن الاستقرار ثقافة وسياسات ومؤسسات.
وهذا المعنى نفسه يظهر أيضاً في توجه الدولة إلى الطاقة النووية السلمية، حيث بُنيت المفاعلات لخدمة الإنسان والتنمية، لا للدمار والتهديد.
أما في الاقتصاد، فقد أصبحت الإمارات مركزاً عالمياً وإقليمياً يستقطب كبريات الشركات الدولية، وتُفتح فيه المكاتب الإقليمية، كما صارت مقصداً لرجال الأعمال والمستثمرين والمشاهير من كل أنحاء العالم، حتى اتخذ كثير منهم من دبي وأبوظبي مقرات للإقامة والعمل.
ولم يأتِ هذا من فراغ، بل من بيئة قانونية وخدمية واقتصادية جعلت الدولة نقطة جذب حقيقية في المنطقة والعالم.
وفي التعليم والمعرفة، يكفي أن نرى حضور فروع جامعات عالمية مرموقة في الإمارات، إلى جانب التقدم اللافت في مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، لندرك أن المشروع لم يكن مشروع عمران فحسب، وإنما مشروع عقل ومهارة ومستقبل.
ويظهر الفرق الحاسم بين منطق الإنجاز ومنطق الشعارات في تفاصيل الحياة اليومية نفسها؛ فالمقيم في الإمارات يستطيع أن ينجز معظم معاملاته من هاتفه وهو في بيته: يفتح شركة، ويسجلها، ويجدد الإيجار، ويستكمل شؤون المركبة، ويتعامل مع البنك، ويستقدم العمالة، ويصدر التأشيرات العائلية، كل ذلك في دقائق قليلة. وهذه ليست رفاهية إدارية، بل تعبير واضح عن دولة جعلت خدمة الإنسان معياراً لنجاحها.
وفي مقابل هذا النموذج، تقف تيارات الإسلام السياسي التي رفعت شعارات كبرى عن النهضة والإصلاح والهوية، لكنها لم تقدم في المقابل نموذج دولة ناجحاً في الاقتصاد أو العلم أو الإدارة أو بناء المجتمع الحديث. لقد امتلكت هذه التيارات قدرة على الحشد والخطاب، لكنها حين اقتربت من اختبار الدولة ظهرت الفجوة بين الشعار والنتيجة، وبين الادعاء والإنجاز.
ولهذا فإن جوهر المسألة ليس صراعاً بين الدين والتنمية، بل بين مشروعين: مشروع يبني الإنسان، ويؤمن بالعلم، ويترجم الأفكار إلى مؤسسات ونتائج، ومشروع يعيش على التعبئة والصراع، ويستبدل العمل بالخطابة، والإنجاز بالشعار.
وفي النهاية تبقى الحقيقة التي لا يخطئها التاريخ: الأمم لا تُقاس بما ترفعه من شعارات، بل بما تبنيه من مؤسسات، وما تحققه من نتائج، وما تتيحه لشعوبها من فرص؛ فالتاريخ لا يعترف بالجعجعة، وإنما يخلد الطحين.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة