في 25 فبراير/شباط 2026 صرّح بنك جي بي مورغان تشيس بأن دولة الإمارات العربية المتحدة تجاوزت معايير تصنيفها ضمن الأسواق الناشئة، معلنًا عزمه إخراجها من مؤشرات سندات الأسواق الناشئة بحلول شهر يونيو/حزيران المقبل.
بعد أن تخطّت مستويات الدخل والثروة التي يعتمدها البنك في تصنيفاته للعام الثالث على التوالي. وبهذا التصريح أصبحت الإمارات من الدول المتقدمة على نفس المستوى مع كوريا الجنوبية واليابان ودول الاتحاد الأوروبي. وبعد هذا التصريح بثلاثة أيام فقط أطلقت إيران الصواريخ الباليستية والمسيّرات المحملة بالمتفجرات إلى أبوظبي ودبي، اللتين يوجد فيهما، مع باقي مدن الإمارات، نصف مليون إيراني الجنسية يديرون شركات واستثمارات إيرانية لصالح الدولة الإيرانية، ومعظم هؤلاء من رجال الأعمال والتجار. ففي زيارة أول رئيس إيراني للإمارات في مايو 2007 اجتمع الرئيس الأسبق محمود أحمدي نجاد برجال الأعمال الإيرانيين في دبي في إحدى قاعات النوادي الرياضية. ولكي نفهم هذا لا بد أن نسترجع الحقائق، وهي: أن الإمارات كانت الرئة التي تتنفس منها إيران، والمورد الأساسي لكل ما يوجد على أرفف محلات البقالة في القرى الإيرانية، وأن معظم ما يدخل إيران من سلع واحتياجات تلبي حاجات المجتمع الإيراني يأتي من الإمارات من خلال نمط مجتمعي من التجارة يعتمد على السفن الصغيرة التي يديرها صغار التجار مع جميع المدن الإماراتية، وذلك منذ أن تم حصار إيران بعد قيام ثورة الخميني إلى اليوم.
مشهد الصواريخ الباليستية والمسيّرات وهي تستهدف المدن الآمنة، خصوصًا الفنادق والأبراج والمطارات والموانئ، ولولا كفاءة وجدارة واقتدار القوات المسلحة الإماراتية على إفشال هذه الهجمات لكانت هناك كوارث محققة. وهنا يثور السؤال المنطقي: لماذا الإمارات؟ لماذا يأتي الهجوم من إيران التي تعتمد طوال أكثر من أربعين سنة في وجودها الإنساني وسد احتياجات سكانها على الإمارات؟ لماذا توجه إيران نصف ما خرج منها من صواريخ ومسيّرات إلى الإمارات، والنصف الآخر يذهب إلى باقي دول الخليج وإسرائيل؟ لماذا هذا القدر الهائل من العداء للإمارات؟ وهل هناك مبرر لذلك على الرغم من أن الإمارات لم يخرج منها أي هجوم على إيران؟ أليس هناك حلقة مفقودة في هذا المشهد تحتاج إلى فهم وتحليل؟ هل يعقل أن تضحي النخبة الإيرانية بالدولة الجارة التي كانت وما زالت المصدر الرئيسي لاحتياجات المجتمع الإيراني؟ وهل هناك ما يبرر ذلك من أسباب سياسية تتعلق بعلاقة الإمارات – وهي دولة ذات سيادة – بإسرائيل وأمريكا، وهي علاقة سبقتها فيها دول مثل مصر والأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية؟
الإمارات لم تقم بأي عدائيات تجاه إيران، حتى ولو على مستوى الخطاب السياسي، فقد أعلنت القيادة السياسية الإماراتية قبل اشتعال الحرب بمدة أنها لن تسمح بأن يتم استخدام أرضها أو مياهها الإقليمية أو أجوائها لمهاجمة إيران. وهذا يزيد المشهد تعقيدًا ويبقي الأسئلة السابقة أكثر إلحاحًا وغموضًا.
وهنا نحتاج أن نرى المشهد بعين الصقر التاريخي وليس فقط الجغرافي، أي أن نرى المشهد بمساحة تاريخية أوسع، وكذلك مساحة جغرافية أكثر اتساعًا. وهنا نجد أن قصة نجاح الإمارات الاقتصادية والسياسية والثقافية والحضارية تمثل تحديًا لأطراف كثيرة، إقليمية ودولية على السواء، فقد تجاوزت الإمارات معايير الزمن، وحققت في جيل واحد ما قامت به دول أخرى على مدى قرن من الزمان أو ثلاثة أجيال، وتحولت إلى بؤرة جذب حضارية نادرة من خلال ما استطاعت الوصول إليه من نموذج للتسامح والتعايش والسلام والأمن والأمان والرفاهية والازدهار الاجتماعي الذي دفع النخب من أكثر من مئتي جنسية إلى تفضيل العيش في الإمارات. وفي الفترة الأخيرة بدأت علية القوم في الدول الغربية الكبرى في إنهاء أعمالهم في عواصم بلادهم والانتقال إلى أبوظبي ودبي، وقد حدث هذا من مليارديرات من بريطانيا وأمريكا وروسيا وغيرها. هذه الجاذبية الحضارية تمثل تحديًا كبيرًا للدول الفاشلة في الإقليم، خصوصًا تلك التي ترى أنها أحق بهذا الدور مثل إيران التي تهيمن على نخبتها الحاكمة عقلية الاستعلاء العرقي الفارسي، والسيادة التاريخية على الخليج والمرجعية الدينية، فهي بلد المهدي المنتظر، وتخشى أن يصبح الخليج خليجًا إماراتيًا وليس فارسيًا.
نفس هذا الموقف كامن في عقول العديد من النخب الغربية في دول العالم الأول في أوروبا وأمريكا التي بدأت الإمارات تهدد تفردها بالجاذبية الحضارية وتنافسها على استقطاب رؤوس الأموال وجذب النجوم، وهنا لا نستبعد تلاقي الأهداف حتى بين الأعداء ظاهريًا.
أمام هذا المشهد تصبح حماية هذا النموذج والدفاع عنه مسؤولية إنسانية وعربية في نفس الوقت. فمن الناحية الإنسانية فإن الإمارات تمثل نموذجًا لزرع الأمل بأن العالم يمكن أن يعيش في سلام، لأن أبناء هذا العالم من جميع جنسياته بلا استثناء يعيشون في الإمارات في تعايش وتسامح وسلام، بل إن منهم من تتحارب دولهم ولكنهم يتجاورون في السكن ويتعاونون في العمل على أرض الإمارات، بينما دولهم الأم في حالة حرب. وبالنسبة للعرب فإن الإمارات هي قصة نجاح ملهمة لجميع العرب، ومشتلًا للأفكار، ومختبرًا للتجارب الناجحة التي يتم نقلها لمختلف الدول العربية. فكل من يعمل في الإمارات في أي مهنة ثم يعود إلى بلده يعود حاملًا لبذور التنمية والتغيير والتحديث والجودة والانتقال إلى مستويات أعلى في مجاله.
حماية هذا النموذج تتم من خلال إفشال خطط من تعمدوا استهدافه لزرع الخوف والتشكيك في أن هذه الدولة واحة أمان، وهذا الإفشال لخطط أعداء النجاح يكون من خلال مزيد من الإقبال والعمل والاستمرار في نفس النهج، وتجاهل كل تلك الألعاب النارية التي قامت بها إيران. والمضحك في هذه الهجمات أنها لم تكن أكثر من ألعاب نارية، فقد أقنعت حفيدي يحيى بأنها ألعاب نارية فأصبح يسألني كل ليلة متى تأتي الألعاب النارية. وصدق الله العظيم: "فأما الزبد فيذهب جفاءً، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض".
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة