كبح نفود إيران.. ترامب يراهن على الزيدي في «أصعب اختبار» بالعراق
تتجه الأنظار إلى زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى واشنطن، المقررة منتصف يوليو/تموز، حيث يستقبله الرئيس دونالد ترامب.
اللقاء المرتقب تنظر إليه الإدارة الأمريكية باعتباره "محطة مفصلية لإعادة صياغة العلاقات بين البلدين"، وفقا لمجلة "ناشيونال إنترست".
ووصف ترامب تعيين الزيدي بأنه "بداية فصل جديد ومهم" في العلاقات الأمريكية العراقية، في إشارة إلى الرهان المتزايد على رئيس الوزراء الجديد الذي لم يمض على توليه منصبه سوى أسابيع، لكنه نجح خلال فترة وجيزة في إرسال رسائل إيجابية إلى الداخل والخارج عبر سلسلة من الخطوات الاقتصادية والإصلاحية.
ومنذ توليه رئاسة الحكومة، تبنى الزيدي نهجًا سريعًا يهدف إلى إعادة تنشيط الاقتصاد العراقي وتقليص الاعتماد على إيران، بالتوازي مع تعزيز الشراكة مع الولايات المتحدة.
وفي أقل من شهرين، أبرمت حكومته عقودًا استراتيجية مع عدد من كبرى الشركات الأمريكية، من بينها شيفرون، وهاليبرتون، وكي بي آر، إلى جانب اتفاقية مع ستارلينك لتوفير خدمات الإنترنت فائق السرعة.
وتندرج هذه الاتفاقيات ضمن خطة حكومية لرفع إنتاج النفط من خمسة إلى سبعة ملايين برميل يوميًا، وتوسيع مشاريع استثمار الغاز المصاحب الذي يُحرق حاليًا، بما يسهم في تقليل اعتماد العراق على واردات الغاز الإيراني ويخفف من الضغوط الناجمة عن العجز الكبير في الموازنة العامة.
وفي موازاة الإصلاحات الاقتصادية، أطلق الزيدي حملة واسعة لمكافحة الفساد حملت اسم "صولة الفجر"، وأسفرت عن اعتقال نحو خمسين مسؤولًا ونائبًا، بينهم مسؤولون بارزون في وزارتي النفط والكهرباء، إضافة إلى ضبط أكثر من مئة مليون دولار نقدًا وأصولًا.
ورغم الانتقادات التي واجهتها الحملة من بعض القوى السياسية النافذة، فقد لاقت ترحيبًا غربيًا واسعًا، وعززت صورة رئيس الوزراء بوصفه مستعدًا لمواجهة منظومة الفساد.
الاختبار الأصعب
ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، تدرك واشنطن أن مستقبل العلاقات مع بغداد لن يُقاس بحجم الاتفاقيات الاقتصادية وحدها، وإنما بقدرة الحكومة العراقية على معالجة الملف الأكثر حساسية، والمتمثل في الحد من نفوذ الميليشيات المسلحة المدعومة من إيران، وعلى رأسها كتائب حزب الله، وحركة النجباء، وعصائب أهل الحق، وهي فصائل تصنفها الولايات المتحدة منظمات إرهابية، بينما ترتبط سياسيًا وعسكريًا بطهران.
وخلال السنوات الماضية، نفذت هذه الجماعات هجمات استهدفت القوات والدبلوماسيين الأمريكيين، كما اتُهمت بالوقوف وراء محاولة اغتيال رئيس الوزراء الأسبق مصطفى الكاظمي عام 2021، فضلًا عن دورها في قمع احتجاجات عام 2019 والهجمات التي استهدفت إقليم كردستان.
ورغم تراجع شعبيتها، فإنها ما تزال تتمتع بقاعدة مؤيدة داخل بعض الأوساط الشيعية، وهو ما يجعل التعامل معها تحديًا سياسيًا وأمنيًا بالغ التعقيد.
وفي هذا السياق، تشير تقارير إلى أن الزيدي حقق تقدمًا محدودًا بعد إعلان اثنتين من المليشيات استعدادهما لتسليم أسلحتهما للدولة عقب مشاورات مع الحكومة والسلطة القضائية.
غير أن هذه الخطوة ما تزال تثير شكوكًا واسعة بشأن جديتها، إذ يخشى مراقبون أن تكون مجرد محاولة لإعادة تموضع تلك الفصائل داخل مؤسسات الدولة دون التخلي فعليًا عن نفوذها العسكري، خاصة أن أبرز الفصائل المسلحة والأكثر نشاطًا ما تزال ترفض أي حديث عن نزع سلاحها.
وتنظر إدارة ترامب إلى هذا الملف باعتباره المعيار الحقيقي لنجاح الحكومة العراقية الجديدة، بالتوازي مع أهداف أخرى تشمل تعزيز الاستثمارات الأمريكية، وتقليص اعتماد بغداد على الطاقة الإيرانية، وربط العراق بمحيطه العربي عبر مشاريع خطوط أنابيب جديدة نحو البحر المتوسط، بما يقلل من تأثير مضيق هرمز على صادرات النفط العراقية.
كما تواصل واشنطن استخدام أدواتها المالية للضغط على بغداد، سواء عبر تشديد الرقابة على التحويلات بالدولار أو إنهاء الإعفاءات الخاصة باستيراد الطاقة الإيرانية، في محاولة لدفع الحكومة إلى اتخاذ إجراءات أكثر صرامة ضد شبكات التهريب والنفوذ الإيراني.
ورغم التفاؤل الذي تبديه الإدارة الأمريكية تجاه الزيدي، فإنها تدرك أن التجارب السابقة تدعو إلى الحذر. فقد سبق أن حظي رؤساء وزراء قبله بثقة مماثلة، إلا أن أياً منهم لم ينجح في تقليص النفوذ الإيراني بصورة حاسمة، بل انتهى الأمر في بعض المراحل إلى تعزيز حضور الفصائل المسلحة داخل مؤسسات الدولة.
لذلك، ترى واشنطن أن نجاح الزيدي لن يتوقف على الإصلاحات الاقتصادية أو حملات مكافحة الفساد فحسب، بل سيعتمد بالدرجة الأولى على قدرته على فرض سلطة الدولة على السلاح المنفلت، وهي معركة تبدو طويلة ومعقدة، لكنها ستحدد مستقبل العلاقة الاستراتيجية بين العراق والولايات المتحدة خلال السنوات المقبلة.