حتى غدا في قلبي لها فؤادٌ… فؤادٌ خُلق لها وحدها.
كنتُ في الثالثة عشرة حين اكتشفتُ العالم عبر الصحف. لم تكن مجرد أوراقٍ تُقلَّب، بل نوافذ صغيرة أطلّ منها على الأخبار والقصص والمعلومات.
كنتُ أجمع الأعداد وأحتفظ بها، وأنتظر الملاحق والملفات الخاصة بموضوعات تعجبني، مثل «حصاد العام». وكان العالم في عينيَّ يومها يبدو متناهي الأطراف، شاسع المسافات.
كنتُ أقلب الصفحات بسهولة، لكن بعض الكلمات كانت تبقى عالقة في داخلي.
اليوم، صباح 19 رمضان 1447هـ، الموافق 8 مارس/آذار 2026، عدتُ إلى تلك اللحظة الأولى.
جلستُ، وبينما كان الهاتف يرسل تنبيهًا يدعو إلى أخذ الحيطة والحذر، توجّهت نظراتي نحو نسخةٍ مطبوعة من إحدى الصحف المحلية.
كانت تحمل صورة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة.
لم يكن المشهد مجرد خبرٍ في صباحٍ جديد، بل بدا كأنه إعلان فخرٍ وصدى ثقةٍ ينسجم مع كيان وطنٍ يدرك عظمته.
توقفتُ لحظاتٍ أمام صورة الوالد القائد، مستشعرةً تلك الهالة من السكينة والهيبة التي يبعثها حضوره، فيما كانت مشاعر الأمان والفخر تتدفق في داخلي كأنها سيمفونية تعزف بتناغم.
عندها أدركتُ من جديد معنى الكتابة في داخلي. فالكتابة لم تكن يومًا أمرًا عابرًا في حياتي، لكن تلك اللحظة أعادت إليّ يقينًا قديمًا: أن القلم يمكن أن يكون طريقًا صغيرًا لمحبة الوطن، ووسيلةً متواضعة لردّ الجميل للإمارات.
وفي تلك اللحظة تحديدًا أدركتُ كم تعمّقت محبة هذا الوطن في داخلي، حتى غدا في قلبي لها فؤادٌ… فؤادٌ خُلق لها وحدها.
قال الشيخ محمد بن زايد آل نهيان:
"الإمارات ستتجاوز هذه المرحلة، وهي أكثر قوةً وأشد صلابة".
نعم سيدي، كم هو عظيم أن نتجاوز التحديات بثقة، وأن نبذل من أجل الإمارات الغالي والنفيس.
ومنذ الثامن والعشرين من فبراير/شباط 2026، وبعد أن سمحتُ لنفسي بأن أعبّر عن مشاعري وأحاسيسي، عدتُ إلى القلم والكتابة والنشر من جديد، أكتب عن غاليتي الإمارات كما كنتُ أفعل دائمًا.
لكنني سألتُ نفسي سؤالًا بسيطًا:
كيف يمكن للكلمة أن تكون عونًا لوطني؟
فشاركتُ معارفي وأصدقائي من مختلف الجنسيات منصات الأخبار الرسمية، وأرسلتُ لهم ما يصدر عن المصادر الموثوقة، محاولةً أن أقدّم ما أستطيع، وإن بدا قليلًا في حق هذا الوطن الغالي.
وفي ذلك اليوم تحديدًا، كان التاريخ الهجري يوافق يوم زايد للعمل الإنساني.
وكأن الإمارات تنادينا:
احتفوا بإنسانيتكم وعطائكم… فأنتم أبناء زايد وبناته.
وفي تلك اللحظة عادت بي الذاكرة إلى صوتٍ كبر معنا وما زال يعيش فينا… صوت الصباحات المدرسية الأولى، حين كنّا نقف أمام العلم ونردّد معًا:
عيشي بلادي عاش اتحاد إماراتنا
عشتِ لشعبٍ دينه الإسلام، هديه القرآن
حصنتك باسم الله يا وطن
بلادي بلادي بلادي بلادي
حماك الإله شرور الزمان
أقسمنا أن نبني نعمل
نعمل نخلص نعمل نخلص
مهما عشنا نخلص نخلص
دام الأمان وعاش العلم يا إماراتنا
رمز العروبة
كلنا نفديكِ بالدماء نرويكِ
نفديكِ بالأرواح يا وطن.
نحن الذين وقفنا يومًا في طابور الصباح، نردّد بصوتٍ واحد:
نموت لتحيا دولة الإمارات العربية المتحدة.
واليوم…
تلك الطفلة التي تسكن أعماقي عادت لتشرق من جديد.
كأن السنوات لم تمضِ، وكأن الصغيرة التي كانت تقرأ العالم بين الصفحات ما زالت تعيش في داخلي حتى اليوم.
ولهذا عدتُ إلى جمع الصحف والأخبار مرةً أخرى، لأنني أدرك أن ذلك الشغف القديم سيظل دائمًا الشرارة التي تحرّكني.
سيدي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان..
سيظل النور الذي أضأتَه في قلوبنا يذكّرنا كل يوم بمعنى الوطن.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة