ليست المشكلة في أن تصدر سفارة بياناً، ولا حتى في أن تختلف روايتها عمّا يراه الآخرون.
المشكلة الحقيقية أن يأتي بيان السفارة الإيرانية في الأردن قبل أيام، في لحظة تتعامل فيها الدولة الأردنية مع صواريخ ومسيّرات إيرانية تستهدف منشآت مدنية وتجمعات سكنية داخل أراضيها، ثم يُطلب من الأردنيين، بلهجة وعظٍ ناعمة، أن يصدّقوا أن كل ما يحدث «سوء فهم»، وأن «الإجراءات الدفاعية» الإيرانية بريئة من أي استهداف للأردن. هذا ليس تواصلاً دبلوماسياً، بل محاولة تبييض عدوانٍ سافر قائم بعبارات مُنمّقة.
البيان الذي صدر عن السفارة الإيرانية في عمّان قبل يومين تجنّب السؤال الذي يشغل الأردنيين ببساطة: إذا لم يكن الأردن هدفاً… فلماذا تُستهدف منشآته؟ ولماذا تتساقط الشظايا على مواطنين؟ ولماذا يُطلب من الناس أن يشكّكوا بما تراه رادارات بلدهم وتُعلنه مؤسساتهم الأمنية والعسكرية؟
أخطر ما في البيان ليس ما قاله، بل ما حاول تمريره كقاعدة: «إذا استُخدمت أراضي أي دولة لشن هجمات ضد إيران فستضطر للرد». هذه ليست جملة إنشائية؛ هذه صيغة تهديدٍ مفتوح ووقح في الوقت ذاته، تُبقي حق الاتهام بيد طهران وحدها. بمعنى أنها هي من يقرر من «استُخدمت أرضه»، وهي من يقرر متى «ترد». وفي العرف السياسي، هذا معناه أن البيان لا يقدّم تطميناً، بل يزرع ذريعة مسبقة لأي تصعيد لاحق.
والأردن، وفق ما أعلنه المتحدث باسم الجيش العربي، وكذلك ما صرّح به الناطق الرسمي باسم الأمن العام في مؤتمر صحفي موسّع قبل البيان بيوم، أن الاعتداءات الصاروخية الإيرانية وما يجري لم يكن «عبوراً» ولا «التباساً»، بل استهدافاً داخل الأراضي الأردنية. فقد أعلنت القوات المسلحة الأردنية أن دفاعاتها الجوية تعاملت خلال أسبوع واحد مع 119 صاروخاً وطائرة مسيّرة إيرانية كانت تستهدف مواقع ومنشآت حيوية داخل المملكة، وتم اعتراض 108 منها.
فأي «صداقة» هذه التي تحتاج معها الدولة الصديقة إلى إسقاط عشرات الأدوات القتالية في سمائها لحماية منشآتها؟
ثم يأتي البيان ليشتكي من «روايات وتحليلات» الإعلام ومنصات التواصل، وكأن المسألة مجرد تعليقات وهاشتاغات. بينما الواقع أن دولاً ـ بينها الأردن ـ وقّعت على بيان مشترك يدين الهجمات الصاروخية والمسيّرات الإيرانية على الأردن ودول الخليج العربي، ويؤكد حقها في الدفاع عن النفس وحماية سيادتها. هذه ليست «تأويلات»، بل موقف سياسي معلن ومكتوب.
وحين تصف إيران ضرباتها بأنها «استهدفت مراكز وقواعد عسكرية محددة»، فهي عملياً تعترف باستخدام القوة خارج حدودها، ثم تحاول إعادة تسميتها «دفاعاً مشروعاً». لكن «الدفاع المشروع» لا يكون على حساب سيادة الآخرين، ولا بتعريض مدنيين في دول مجاورة لخطر الشظايا والارتطام والسقوط.
لكن المعضلة في بيان السفارة ليست أنه يروي مأساة إيران؛ بل أنه يوظّفها كغطاء أخلاقي وسياسي ليقول لجيران إيران، بما معناه: تقبّلوا ما يحدث لكم لأنه يحدث لنا ما هو أسوأ. هذه معادلة مرفوضة. احترام دماء الإيرانيين لا يعني التساهل مع تهديد أمن الأردنيين والأشقاء في الخليج العربي. وإدانة ضرب المدارس والمستشفيات ـ إن صحت ـ لا تُبيح تحويل أجواء الأردن إلى ممرّ خطر أو ساحة اشتباك.
والواقع أن الأردنيين لا يقرؤون هذا البيان بمعزل عن السنوات الماضية. فمن يتحدث اليوم بلهجة «حسن الجوار» يتجاهل أن الأردن واجه ـ مراراً ـ أنماطاً من العبث الأمني على حدوده، وتحديداً تهريب مخدرات، ومحاولات تسلل، وطائرات مسيّرة محمّلة بالسموم.
ووفق تقرير لوكالة الأنباء الأردنية (بترا)، اعترضت القوات المسلحة الأردنية خلال 197 يوماً (من 1 كانون الثاني إلى 16 تموز 2025) 310 طائرات مسيّرة محمّلة بالمخدرات لأطراف محسوبة على إيران، بمعدل يقارب مسيّرتين يومياً، إضافةً إلى إحباط عشرات محاولات التهريب والتسلل ومصادرة ملايين الحبوب المخدرة.
وفي سياق آخر، نقلت تقارير عن الجيش الأردني إحباط «مخطط» لتسلل مسلحين من سوريا مرتبطين بميليشيات موالية لإيران، كانوا يحملون أسلحة ومتفجرات. هذه ليست تفاصيل جانبية؛ هذا هو السياق الذي يجعل أي «تطمين» مكتوب من السفارة فاقداً للمصداقية ما لم يقترن بخطوة واحدة واضحة، وهي وقف مصادر التهديد عملياً، لا تجميلاً لغوياً.
وباختصار، الأردن ليس بحاجة إلى «دروس» عن التضامن الإسلامي، ولا إلى محاضرات عن «الروايات المسمومة». الأردن يحتاج ـ ويطالب ـ بشيء أكثر بساطة ووضوحاً وتحديداً: احترام سيادته وعدم تعريض أجوائه للخطر.
أما أن تُكتب لنا رسالة تقول «نحترمكم»، ثم تُختم بجملة «إن استُخدمت أراضيكم سنرد»، فذلك ليس احتراماً، بل ابتزاز سياسي وصلافة ووقاحة تستدعي طرد السفير الإيراني وإغلاق السفارة الإيرانية في الأردن.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة