في لحظات التوتر والأزمات تُختبر قوة الدول، ليس فقط في قدراتها العسكرية والتقنية، بل في عمق العلاقة التي تربطها بشعبها.
وفي دولة الإمارات تتجلى هذه العلاقة في رسالة قصيرة تصل إلى الهاتف المحمول. رسالة قد تبدو عادية في ظاهرها، لكنها تحمل في معناها رسالة طمأنينة عميقة تقول لكل من يعيش على هذه الأرض أو يزورها: اطمئنوا، خلّوا كل شيء علينا.
تحية إجلال وتقدير لجنودنا البواسل، رجال القوات المسلحة وأجهزة الأمن، الذين يواصلون الليل بالنهار دفاعاً عن هذا الوطن. بينما يعيش الناس حياتهم اليومية في منازلهم، وفي مدارسهم، وفي أعمالهم، يقف هؤلاء الرجال في الصفوف الأولى، يتعاملون مع التهديدات بحزم واحترافية، لأن عقيدتهم واضحة: حماية الوطن وكل من يعيش على أرضه، مواطناً كان أو مقيماً أو زائراً.
عندما تصل رسالة التنبيه إلى الهواتف، فإنها لا تفرق بين أحد، بل تصل إلى الجميع: إلى المواطن، وإلى المقيم، وإلى الزائر الذي جاء إلى هذه الأرض آمناً مطمئناً. الرسالة تطلب أمراً بسيطاً وواضحاً: الاحتماء في مكان آمن بعيداً عن النوافذ والأماكن المفتوحة، وانتظار التعليمات الرسمية. كلمات قليلة، لكنها تختصر منظومة متكاملة من العمل الأمني والعسكري الذي يجري في الخلفية.
لكن خلف هذه الرسالة المباشرة معنى أعمق لا يُكتب في نص التنبيه. المعنى الحقيقي هو أن الدولة تقول لمجتمعها بكل أطيافه: احموا أنفسكم وأبناءكم لدقائق، أما ما هو أخطر من ذلك فدعوه علينا.
هذه هي فلسفة الدولة التي تضع الإنسان أولاً. المواطن والمقيم والزائر يُطلب منهم أن يحافظوا على سلامتهم وسلامة أسرهم، بينما تتكفل المؤسسات الأمنية والعسكرية بكل ما يتعلق بمواجهة التهديد والتعامل معه. وكأن هناك عقداً غير مكتوب بين الدولة والمجتمع: أنتم احموا بيوتكم وأبناءكم، ونحن نحمي الوطن.
غير أن المشهد لا يكتمل عند هذا الحد. فبعد أن يتم التعامل مع التهديد بكل احترافية، تصل رسالة أخرى مختلفة في مضمونها. رسالة لا تحمل تحذيراً هذه المرة، بل تحمل شكراً. شكراً للمجتمع على تعاونه، وعلى الالتزام بالتعليمات، وعلى الحرص على سلامة الأسر والأطفال.
هذا السلوك يعكس نموذجاً متقدماً في إدارة الأمن. فالدولة التي تحمي مجتمعها تعود بعد ذلك لتشكره أيضاً، وكأنها تقول: أنتم شركاؤنا في حماية هذا الوطن. التزامكم بالتعليمات ليس مجرد استجابة لرسالة، بل هو مساهمة في منظومة الأمن الوطني.
وهنا تتجلى قيمة الثقة المتبادلة بين الدولة والمجتمع. فالأمن الحقيقي لا يقوم فقط على القوة العسكرية، بل يقوم أيضاً على وعي المجتمع وثقته بالمؤسسات التي تحميه. وعندما يشعر المواطن والمقيم والزائر أن الدولة تحميه وتحترمه في الوقت نفسه، تتحول العلاقة إلى شراكة حقيقية في حماية الوطن.
ولعل اللافت أن كثيراً من الدول، رغم تقدمها التكنولوجي والعسكري، لا تمتلك هذا المستوى من التواصل الإنساني مع مجتمعها في أوقات الأزمات. أما في الإمارات، فحتى في اللحظات الحساسة، تصل الرسالة واضحة: الحماية مسؤوليتنا، والطمأنينة حق لكل من يعيش على هذه الأرض أو يزورها.
وفي خضم الحديث عن الأمن والتضحيات، لا يمكن أن ننسى شهداء الوطن، أولئك الأبطال الذين قدموا أرواحهم وهم يؤدون واجبهم دفاعاً عن هذا الوطن وأمنه واستقراره. هؤلاء ليسوا مجرد أسماء في سجل التاريخ، بل هم أبناء هذا الوطن جميعاً، وأبناء كل أسرة إماراتية ومقيمة تعيش على هذه الأرض الطيبة. ضحّوا بأغلى ما يملكون ليبقى الوطن آمناً مستقراً لكل مواطن ومقيم وزائر. سيبقون في وجداننا وذاكرتنا ما حيينا. نسأل الله أن يتغمد شهداءنا بواسع رحمته، وأن يسكنهم فسيح جناته، وأن يلهم أسرهم الصبر والسلوان. قال الله تعالى: «ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون».
وفي النهاية، تبقى عبارة «خلّوا كل شيء علينا» أكثر من مجرد كلمات. إنها عقيدة راسخة لدى رجال القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، عنوانها الشجاعة والمسؤولية، ورسالتها حماية الوطن وقيادته وكل مواطن ومقيم وزائر يعيش أو يطأ أرضه. حفظ الله الإمارات قيادةً وشعباً، وجعلها دائماً أرض أمن وسلام.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة