الصين وإيران.. مصالح استراتيجية لا التزامات تحالفية
في خضم الأزمات المتكررة التي تحيط بإيران، يتجدد في الغرب نقاش مألوف حول موقف الصين.
فبحسب مجلة فورين بوليسي، فإن الصين تواصل شراء النفط الإيراني، وتندد بأي عمل عسكري أحادي الجانب، وتدعو إلى ضبط النفس، لكنها لا تبادر إلى تقديم دعم عسكري مباشر أو غير مباشر لطهران، سواء عبر السلاح أو التمويل.
استراتيجية لا تهدف بكين من خلالها تقليد النموذج الأمريكي في بناء التحالفات العسكرية، فيما لا يجب تفسير «امتناعها عن لعب دور الراعي الأمني بالضعف أو غياب الالتزام السياسي»، بحسب فورين بوليسي، التي قالت إنه يعكس رؤية استراتيجية مختلفة جذرياً لمفهوم القوة والنفوذ.
مفهوم مغاير للقوة
تقوم الرؤية الاستراتيجية للصين على مقاربة مختلفة لمفهوم القوة. ففي واشنطن تُقاس القوة تقليدياً بشبكات التحالفات والضمانات الأمنية وتحويل الشراكات السياسية إلى التزامات عسكرية. وبمجرد افتراض أن هذا النموذج هو القاعدة العالمية، يصبح أي رفض للقيام بدور الراعي العسكري دليلاً على العجز أو التردد.
لكن الصين لم تبن قوتها على هذا الأساس قط. فهي تنظر إلى السياسة الخارجية أساساً بوصفها أداة لخدمة الأولويات الداخلية، وليس بوصفها وسيلة لفرض النفوذ العسكري خارج الحدود.
ولا تزال بكين، رغم صعودها السريع، منشغلة إلى حد كبير بأجندة داخلية معقدة: تنشيط الطلب المحلي، وخلق فرص العمل، وإدارة مستويات الدين، ومواجهة الضغوط الديمغرافية، وتسريع التطور التكنولوجي، والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي.
وفي هذا السياق، يُقاس نجاح السياسة الخارجية بقدرتها على تأمين بيئة دولية مستقرة تتيح الوصول إلى الأسواق والتكنولوجيا وتدعم عملية التحديث الداخلي. أما الالتزامات العسكرية المفتوحة تجاه شركاء بعيدين جغرافياً، فغالباً ما تُنظر إليها على أنها عبء يتعارض مع هذا التسلسل في الأولويات.
دروس التاريخ والتجربة الأمريكية
تلعب الذاكرة التاريخية -أيضاً- دوراً مهماً في تشكيل هذا النهج. فقد تشكلت الهوية السياسية للصين الحديثة في ظل تجارب «الغزو الخارجي»، وهو ما يجعل فكرة تدخل القوى الكبرى في شؤون الدول الأخرى بالقوة أقل جاذبية في المخيال السياسي الصيني.
هذه الرؤية ليست مجرد خطاب دعائي، بل جزء من السردية التي تروج لها الدولة داخلياً، والتي تؤكد الحذر من الانخراط في مغامرات عسكرية خارجية.
ويتوافق السجل التاريخي للصين إلى حد كبير مع هذا التصور. فباستثناء الحرب الكورية التي اعتُبرت تهديداً مباشراً لأمنها الحدودي، نادراً ما استخدمت بكين القوة العسكرية دفاعاً عن دول ثالثة، إذ ارتبطت معظم حروبها بنزاعات حدودية مباشرة.
ورغم امتلاكها أدوات قوية للإكراه الاقتصادي عندما تكون مصالحها الحيوية مهددة، فإنها لم تسع إلى ترسيخ دور عالمي قائم على التدخلات العسكرية أو الحروب الاستكشافية.
كما أن التجربة الأمريكية نفسها شكلت درساً مهماً لصناع القرار في بكين. فقد راقبت الصين لعقود الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة، ثم الصعوبات التي واجهتها في تحويل التفوق العسكري إلى نتائج سياسية مستقرة.
فمن العراق إلى أفغانستان، خلصت بكين إلى أن القوة العسكرية قادرة على إسقاط الأنظمة لكنها لا تستطيع بسهولة بناء أنظمة جديدة تتمتع بالشرعية والاستقرار. لذلك يُنظر إلى سجل الولايات المتحدة في مرحلة ما بعد الحرب الباردة ليس فقط بوصفه دليلاً على قوتها، بل أيضاً كتحذير من مخاطر الإفراط في استخدام هذه القوة.
بين المصلحة والالتزام
تجسد العلاقة مع إيران هذا الفارق الجوهري بين المصالح والالتزامات. فالصين تعد أكبر مشترٍ للنفط الخام الإيراني، ولديها مصلحة واضحة في استقرار الخليج وأمن طرق الملاحة البحرية والتوازن الإقليمي.
لكن هذه المصالح لا ترقى إلى مستوى التزام تحالفي. كما أن جزءاً كبيراً من النفط الإيراني الذي يصل إلى الصين لا تشتريه الشركات الحكومية العملاقة، بل إن مصافي مستقلة أصغر حجماً تستفيد من الأسعار المخفضة. وبعبارة أخرى، إيران مهمة للصين، لكنها لا تمثل بالنسبة لبكين ما يمثله الحلفاء المرتبطون بمعاهدات دفاعية بالنسبة لواشنطن.
من هنا تنشأ أيضاً المبالغة في الحديث عن "محور" يجمع الصين بإيران ودول أخرى. فدمج العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية ضمن سردية تحالفية يدفع بعض المراقبين إلى تصور أن التعاون التجاري أو التنسيق السياسي في مواجهة الضغوط الأمريكية هو مقدمة لتحالف عسكري.
غير أن النفوذ الصيني ينتشر عادة عبر التجارة والاستثمار والبنية التحتية والتمويل والدبلوماسية، وهي أدوات يمكن توظيفها سياسياً في بعض الأحيان، لكنها لا تعادل التزامات أمنية رسمية.
مخاطر سوء الفهم
مع ذلك، فإن إدراك حدود الدور الصيني لا ينبغي أن يقود إلى استنتاج أكثر خطورة، وهو الاعتقاد بأن المصالح الصينية في الخارج يمكن الضغط عليها دون عواقب. فإذا خلصت واشنطن إلى أن امتناع الصين عن لعب دور الراعي الأمني يعني استعدادها للتسامح مع استهداف مصالحها التجارية في الخارج، فقد يفتح ذلك الباب أمام تصعيد غير محسوب.
وتظهر بالفعل مؤشرات على هذا الاتجاه، حيث بات الوجود التجاري الصيني العادي يُصوّر في بعض العواصم الغربية باعتباره تهديداً أمنياً، كما حدث مع موانئ في بنما وبيرو ومشاريع في فنزويلا.
وقد لا تكون الصين راغبة، أو حتى قادرة، على الدفاع عن شركائها بالطريقة التي تفعلها الولايات المتحدة. لكن من غير المرجح أن تقف مكتوفة الأيدي إذا رأت أن السياسة الأمريكية لا تستهدف دولاً بعينها فحسب، بل تسعى إلى تقويض المصالح التجارية الصينية المشروعة في الخارج. عند هذه النقطة، لن يعود الأمر متعلقاً بالدفاع عن شريك مثل إيران، بل بمواجهة تحدٍّ مباشر للمصالح الصينية نفسها.
لهذا السبب لا ينبغي تفسير موقف الصين من إيران باعتباره دليلاً على طموح فاشل لنسخ الدور الأمريكي، ولا بوصفه مجرد خطاب فارغ. بل إنه يعكس تصوراً مختلفاً للقوة الدولية: نفوذ اقتصادي واسع دون شبكة تحالفات عسكرية، وأهمية استراتيجية متزايدة دون التزامات أمنية تلقائية، وتأثير دبلوماسي يتقدم أحياناً على الوجود العسكري.