«مطلوب حيا أو ميتا».. هكذا استهدف «وكلاء إيران» صحفيا معارضا بلندن
لم تكن الطعنات الثلاث التي تلقاها الصحفي الإيراني المعارض بوريا زيراتي على عتبة منزله في حي ويمبلدون اللندني الهادئ مجرد حادثة عنف عابرة، بل إنها مثلت تتويجاً لحملة ممنهجة تقودها طهران ضد معارضيها في الخارج.
ففي صباح مارس/آذار 2024، كان زيراتي، مقدم البرامج في قناة "إيران الدولية" المعارضة والذي سبق أن أجرى مقابلة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، يعبر الطريق إلى سيارته عندما قفز رجل ملثم مطالباً بالمال، قبل أن يغرس سكينه في فخذه ويتركه غارقاً في دمائه.
لكن ما بدا للوهلة الأولى سطواً عادياً، سرعان ما انكشف أمام هيئة المحلفين بوصفه عملية مدبرة بدوافع سياسية، تقف خلفها أجهزة إيرانية تحولت، بحسب الادعاء، إلى استئجار عصابات إجرامية أجنبية لتنفيذ تهديداتها بدلاً من استخدام عناصرها المباشرة، وفقا لصحيفة "ديلي ميل" البريطانية.
أمام القاعة ذاتها، رسم المدعي العام دنكان أتكينسون صورة قاتمة لتحول استراتيجي في تكتيكات طهران. فالشبان الرومانيون الثلاثة الذين ظهروا في قفص الاتهام لم يكونوا عملاء استخبارات بالمعنى التقليدي، بل "وكلاء" استأجرتهم إيران بالمال لتنفيذ مهمة محددة.
نانديتو باديا، البالغ 21 عاماً، هو من وجه طعناته للضحية، بينما احتجز ديفيد أندريه (22 عاماً) الصحفي ليسهل العملية، وجلس جورج ستانا (25 عاماً) خلف عجلة قيادة سيارة الهروب.
وبعد الطعن، تخلى الثلاثة عن مركبتهم، واستقلوا سيارة أجرة إلى مطار هيثرو، ثم توجهوا إلى جنيف قبل أن يتابعوا طريقهم إلى رومانيا، تاركين خلفهم أثراً دموياً سرعان ما قاد المحققين إلى حساباتهم المصرفية التي تلقت أموالاً من شركة واجهة تحمل اسماً مستفزاً هو "صالة طهران"، في دليل وصفه الادعاء بأنه الخيط الذي ربط الجريمة بأسيادها الحقيقيين.
لم يأتِ هذا الهجوم من فراغ، بل توج سنوات من المضايقات والترهيب استهدفت صحفيي "إيران الدولية"، القناة الناطقة بالفارسية التي تبث من لندن وتدعم جماعات المعارضة وتنتقد النظام في طهران.
ففي عام 2022، صنفت طهران المؤسسة الإعلامية "منظمة إرهابية"، وأعلنت أن أي شخص يعمل معها سيُعتبر تهديداً للأمن القومي الإيراني.
وبعد أشهر قليلة، غطت ملصقات جدران طهران تحمل صوراً لصحفيين، بينهم زيراتي نفسه، وقد كتب تحتها بخط عريض: "مطلوب: حياً أو ميتاً".
هذه المطوية القاتلة لم تكن مجرد تهديد دعائي، بل تحولت، وفق أتكينسون، إلى "عنف متعمد ومخطط له لإلحاق إصابات خطيرة بالهدف"، بعد عمليات استطلاع دقيقة نفذها الرجال الثلاثة للتأكد من روتين الضحية اليومي قبل تنفيذ الضربة.
أما السردية التي قدمها المدعي العام فحملت اتهاماً أوسع يتجاوز هذه القضية المفردة. فقد قال إن إيران "قلصت اعتمادها على عناصرها المباشرة، ولجأت بشكل متزايد إلى استخدام وكلاء، مثل العصابات الإجرامية، لتنفيذ تهديداتها"، في اعتراف صريح بتحول التهديدات الإيرانية في الخارج إلى "إرهاب" بالمعنى القانوني.
وأمام هذه الوقائع، وقف باديا وستانا في القفص لينكرا تهمتي الاعتداء العمد والاعتداء غير المشروع، بينما نفت طهران أي تورط لها.
لكن الأدلة التي عرضها الادعاء – من الخيوط المالية إلى مسار الهروب المخطط – رسمت صورة لا تترك مجالاً للصدفة، لتتحول قاعة المحكمة إلى مسرح لكشف الوجه الآخر لحرب الظل الإيرانية، حيث تتحول ملصقات "مطلوب حياً أو ميتاً" من حبر على ورق إلى سكاكين تنتظر على أرصفة لندن.