عراب «المال المشفر» بإيران... زنجاني من طابور الإعدام لصدارة الاقتصاد
قبل سنوات قليلة، بدا اسم بابك زنجاني وكأنه طُوي نهائيًا في سجل أكثر قضايا الفساد إثارة للجدل في إيران، بعدما قضت محكمة بإعدامه.
وجاء حكم الإعدام على خلفية تهم «الفساد في الأرض»، في قضية عُدت حينها رسالة حاسمة من الدولة ضد الفساد المالي.
غير أن المشهد تبدّل بصورة دراماتيكية؛ الرجل الذي كان ينتظر تنفيذ حكم الإعدام فيه، عاد إلى الواجهة لاعبًا محوريًا في واحدة من أكثر ساحات الصراع الاقتصادي حساسية، مستفيدًا من عالم العملات الرقمية والتقنيات المالية الحديثة، في وقت تواجه فيه طهران ضغوطًا متصاعدة بفعل العقوبات الغربية، وفق صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية.
عودة زنجاني لم تكن مجرد ظهور عابر لرجل أعمال مثير للجدل، بل ارتبطت مباشرة بفرض وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات عليه وعلى منصتيه الرقميتين «زدكس» و«زدكسيون»، بعد اتهامات بتسهيل عمليات غسل أموال وتحويلات مالية لصالح الحرس الثوري الإيراني وشبكات إقليمية حليفة.
ووفق تقديرات أمريكية، فقد لعبت هذه المنصات دورًا بارزًا في تدوير مليارات الدولارات خارج النظام المالي التقليدي، ما أعاد اسم زنجاني إلى صدارة الحديث بوصفه أحد أبرز مهندسي الالتفاف على العقوبات في تاريخ إيران.
قصة زنجاني تحمل في طياتها مزيجًا من الصعود الاجتماعي السريع، والدهاء المالي، والتشابك العميق مع مؤسسات الدولة الإيرانية.
وُلد الرجل، البالغ اليوم 55 عامًا، في أسرة متواضعة جنوب طهران، وبدأ مسيرته المهنية مبكرًا من تجارة بسيطة في السوق، قبل أن يقترب من دوائر النفوذ من خلال عمله سائقًا لمحافظ البنك المركزي الإيراني.
ومن هناك، فتح لنفسه بابًا واسعًا إلى عالم المضاربات المالية، مستفيدًا من الفجوة بين أسعار الصرف الرسمية والموازية، ليجمع ثروة أولية مكّنته من بناء شبكة أعمال توسعت بسرعة لافتة.
ومع تشديد العقوبات الدولية على إيران، تحوّل زنجاني إلى أحد أهم الأدوات الاقتصادية غير الرسمية للنظام. إذ برز اسمه بقوة خلال سنوات الحصار النفطي، حين تولى إدارة شبكات معقدة لتسويق النفط الإيراني وتهريب عائداته عبر شركات واجهة ومؤسسات مصرفية في دول أخرى.
وبفضل هذه الشبكات، نجح في ضخ مليارات الدولارات إلى الداخل الإيراني، في وقت كانت البلاد تعاني صعوبات مالية خانقة.
لكن صعوده اللافت رافقه سقوط مدوٍ. فبعد انتخاب الرئيس الأسبق حسن روحاني وبدء حملة معلنة ضد الفساد، وُجهت إلى زنجاني اتهامات باختلاس 2.7 مليار دولار من أموال الدولة، لتنتهي القضية بحكم إعدام صدر عام 2016.
غير أن تطورات السنوات الأخيرة كشفت أن تلك النهاية لم تكن سوى محطة مؤقتة. ففي عام 2024، خُفف الحكم إلى السجن عشرين عامًا قبل الإفراج عنه لاحقًا، في خطوة أثارت تساؤلات واسعة حول دوافع القرار، خصوصًا مع تصاعد التوقعات بعودة ضغوط العقوبات الأمريكية وتزايد حاجة طهران إلى أدوات مالية مبتكرة.
ويبدو أن زنجاني استثمر سنوات سجنه في إعادة هندسة إمبراطوريته بعيدًا عن الأساليب التقليدية، متجهًا إلى العملات المشفرة بوصفها البديل الأكثر ملاءمة للالتفاف على القيود الدولية.
وتشير بيانات الشركات البريطانية إلى تسجيل منصتيه «زدكسيون» و«زيدكس» في لندن خلال فترة سجنه، فيما كشفت تقارير عن تداولات قاربت مليار دولار عبر المنصتين خلال العامين الماضيين، مع ارتباط نسبة كبيرة منها بمحافظ رقمية مرتبطة بالحرس الثوري.
ورغم نفي زنجاني المتكرر لهذه الاتهامات، فإن المؤشرات تكشف عودته كلاعب اقتصادي مؤثر داخل منظومة موازية تسعى طهران من خلالها إلى تجاوز العزلة المالية.
الأكثر إثارة أن زنجاني بات يتبنى خطابًا عامًا مختلفًا، ينتقد فيه البيروقراطية والمحسوبية والقيود المفروضة على الإنترنت، في محاولة لرسم صورة رجل الأعمال الإصلاحي الذي يسعى لتحديث الاقتصاد الإيراني.
غير أن مراقبين يرون أن عودته تعكس قبل كل شيء حاجة النظام الإيراني إلى شخصيات تمتلك الخبرة في كسر الحصار الاقتصادي، خصوصًا في ظل تعقّد العقوبات وتطور أدوات الرقابة الدولية.