أستراليا والناتو.. تحالف يتجاوز حدود العضوية
رغم الاعتقاد الشائع بأن أستراليا تنتمي إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو)، يؤكد الواقع القانوني والسياسي أنها ليست عضوًا في الحلف، ولا تخضع لالتزاماته الدفاعية الجماعية.
برغم ذلك، تُصنف كانبرا باعتبارها أحد أقرب شركاء الناتو على مستوى العالم، في علاقة استراتيجية تطورت عبر عقود من التعاون العسكري والأمني مع الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين.
ووفقًا لموقع «ذا كولكتور»، يعود هذا الالتباس إلى متانة التحالف الأسترالي-الأمريكي، الذي تعزز عبر معاهدة «أنزوس» ثم اتفاقية «أوكوس»، ما جعل أستراليا حاضرة في العديد من العمليات العسكرية التي شاركت فيها دول الناتو، دون أن تكون عضوًا رسميًا فيه.
من بريطانيا إلى واشنطن
خلال الحرب العالمية الثانية، وقفت أستراليا إلى جانب بريطانيا بصفتها إحدى دول الكومنولث، وأرسلت قواتها إلى عدة جبهات، من بينها الشرق الأوسط واليونان وسنغافورة.
غير أن التوسع الياباني في آسيا والهزائم المتلاحقة للقوات البريطانية دفعا رئيس الوزراء الأسترالي جون كورتين إلى إعادة النظر في أولويات بلاده الأمنية.

وفي عام 1942، اتخذ كورتين قرارًا بسحب معظم القوات الأسترالية من شمال أفريقيا وإعادتها للدفاع عن البلاد في مواجهة التهديد الياباني، رغم اعتراض رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل.
وفي الوقت نفسه، كانت الولايات المتحدة تنظر إلى أستراليا باعتبارها قاعدة استراتيجية متقدمة في الحرب ضد اليابان، ما أسس لشراكة أمنية متنامية بين البلدين استمرت بعد انتهاء الحرب.
وعندما تأسس حلف الناتو عام 1949 بهدف حماية أوروبا الغربية من التهديد السوفياتي، ظلت عضويته محصورة جغرافيًا في دول شمال الأطلسي.
وفي المقابل، اتجهت واشنطن إلى بناء ترتيبات أمنية موازية في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، كان أبرزها منظمة معاهدة جنوب شرق آسيا (سياتو) التي انضمت إليها أستراليا عام 1955 قبل أن تُحل عام 1977.
شريك في العمليات لا في العضوية
شكّلت معاهدة «أنزوس»، الموقعة عام 1951 بين أستراليا ونيوزيلندا والولايات المتحدة، حجر الأساس للعلاقات الأمنية بين كانبرا وواشنطن.
ورغم أن المعاهدة لا تتضمن التزامًا دفاعيًا تلقائيًا مماثلًا للمادة الخامسة من معاهدة الناتو، فإنها أرست إطارًا واسعًا للتعاون العسكري والاستخباراتي بين الأطراف الثلاثة.
هذا التعاون انعكس بوضوح في عدد من النزاعات الدولية. ففي ستينيات القرن الماضي، كانت أستراليا من أبرز الحلفاء الذين شاركوا إلى جانب الولايات المتحدة في حرب فيتنام، في وقت امتنعت فيه غالبية دول الناتو عن الانخراط المباشر في القتال.
وعقب هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001، سارعت كانبرا إلى دعم العمليات العسكرية في أفغانستان، حيث شاركت قواتها إلى جانب قوات الحلف لأكثر من عقدين، قبل أن تنسحب مع انتهاء الوجود العسكري الأمريكي عام 2021.
كما انضمت أستراليا عام 2013 إلى برنامج الشراكة والتعاون الفردي مع الناتو، وشاركت في عدد من المهام البحرية والأمنية المرتبطة بالحلف.
حدود العضوية وآفاق الشراكة
ورغم هذا المستوى المتقدم من التعاون، تبقى العضوية الكاملة في الناتو خيارًا غير مطروح لأستراليا، إذ تنص المادة العاشرة من معاهدة واشنطن على أن الانضمام يقتصر على الدول الأوروبية القادرة على الإسهام في أمن منطقة شمال الأطلسي. وبحكم موقعها الجغرافي في أوقيانوسيا، لا تستوفي أستراليا هذا الشرط الأساسي.
لكن غياب العضوية لم يمنع كانبرا من بناء علاقة وثيقة مع الحلف، تقوم على تبادل المعلومات الاستخباراتية، والمشاركة في العمليات المشتركة، وتبني العديد من معايير الناتو في مجالات التدريب والتسليح والتخطيط العسكري.
وجاء توقيع اتفاقية «أوكوس» عام 2021 بين أستراليا والولايات المتحدة وبريطانيا ليؤكد عمق هذه الشراكة. فقد نص الاتفاق على تزويد أستراليا بغواصات تعمل بالطاقة النووية، في خطوة عكست تصاعد الاهتمام الغربي بمنطقة المحيطين الهندي والهادئ، ورغبة كانبرا في تعزيز قدراتها الدفاعية بالتعاون مع أقرب حلفائها بما يمنحها دورًا مؤثرًا في كثير من القضايا الأمنية والعسكرية الدولية.
