إسرائيل والمساعدات الأمريكية.. شراكة معقدة وخيار الانفصال «صعب»
تتفاوض إسرائيل والولايات المتحدة، لإنهاء عقود من المساعدات العسكرية الأمريكية، لكن المسألة قد تكون أكثر تعقيدا مما يعتقد البلدين.
وبرزت الحاجة لهذا الاتفاق بعد 3 سنوات من الحروب الإسرائيلية على غزة ولبنان وإيران، أظهرت تنسيقا وثيقا بين إسرائيل والولايات المتحدة، ولكنها شهدت خلافات أيضا.
واشنطن دعمت إسرائيل بكل ما تحتاجه من السلاح، ولكنها خالفتها المواقف بشأن موعد انتهاء الحروب.
وهذا ما بدا واضحا في غزة، حيث فرض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، خطته، وفي لبنان، حيث جرى التوصل إلى اتفاق لم ترض عنه إسرائيل، وفق التقارير الإسرائيلية.
وبشكل غير معتاد، وفي ظل تنامي الرفض الإسرائيلي للاتفاق مع ايران، نشر مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، الثلاثاء، تصريحات أدلى بها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، يوم الخميس الماضي، في كيبوتس "ميغدال عوز" بمنطقة "غوش عتصيون"، خلال لقاء بمجموعة من الضباط في الاحتياط.
وقال نتنياهو: "نحن نقف الآن في مواجهة إيران ووكلائها. لقد وجهنا لهم ضربات. لم ينتهِ الأمر بعد، لكنه يعتمد على قوتنا. فموقعنا بعد 30 عاماً من الآن يعتمد على قوتنا؛ ولذلك، فإن ما نقوم به حالياً هو بناء قوة هائلة".
وأضاف: "أنا أسعى لتحقيق استقلال في مجال التسليح. إنني أقدر بشدة الدعم الذي تلقيناه، والذي عملتُ أيضاً على تأمينه على مر السنين، من أصدقائنا الأمريكيين. واليوم أقول: نحن بحاجة إلى شبكة تسليح مستقلة خاصة بنا، إذ يجب علينا تصنيع أسلحتنا بأنفسنا".
ومضى قائلا: "علينا التحرر من التبعية، وبناء المزيد والمزيد من القوة، ودمج المزيد والمزيد من التكنولوجيا، وتدريب المزيد والمزيد من أجيال القادة أمثالكم؛ لأن هذا هو ما سيحدد في النهاية موقعنا ومستقبلنا".
مفاوضات لاتفاق جديد
إلى ذلك، أعلنت الحكومة الإسرائيلية، أنها تتفاوض مع إدارة الرئيس دونالد ترامب، بشأن مذكرة تفاهم جديدة تتعلق بالمساعدات الخارجية الأمريكية لإسرائيل.
وفي حال إتمامها، ستكون هذه رابع مذكرة تفاهم ثنائية من نوعها يتم التوصل إليها بين البلدين.
ويقول الكونغرس الأمريكي في تقرير حديث طالعته "العين الإخبارية"، إن "مذكرات التفاهم ليست اتفاقيات ملزمة قانوناً -على غرار المعاهدات- ولا تتطلب تصديق مجلس الشيوخ؛ إذ تخضع مستويات المساعدات الخارجية المحددة في هذه المذكرات، في نهاية المطاف، لموافقة الكونغرس بحكم سلطته في تخصيص الأموال".
وأضاف: "لقد أثرت مذكرات التفاهم السابقة بشكل كبير على المساعدات الأمريكية لإسرائيل؛ فتاريخياً، كان الكونغرس يخصص المساعدات الخارجية لإسرائيل وفقاً لبنود مذكرة التفاهم السارية آنذاك إلى حد كبير (باستثناء قوانين التخصيصات التكميلية)".
وكان آخر تفويض من الكونغرس للمساعدات العسكرية لإسرائيل، وفقاً لبنود مذكرة التفاهم الحالية، جاء ضمن القانون العام رقم 116-283، المعروف باسم "قانون ويليام إم (ماك) ثورنبيري لتفويض الدفاع الوطني للسنة المالية 2021".
وبحسب الكونغرس، فإنه "نظراً لاحتمالية إجراء انتخابات مصيرية في إسرائيل هذا الخريف، وسعي إسرائيل لتجديد مخزونها من الذخائر في ظل الحرب مع إيران وصراعات أخرى، فقد يسعى الطرفان لإبرام مذكرة تفاهم جديدة خلال الأشهر المقبلة".
خلفية تاريخية
ومثلت مذكرة التفاهم الأولى التي امتدت لعشر سنوات (من السنة المالية 1999 إلى 2008)، والتي تم الاتفاق عليها في عهد إدارة بيل كلينتون، التزاماً سياسياً بتزويد إسرائيل بما لا يقل عن 26.7 مليار دولار كإجمالي للمساعدات الاقتصادية والعسكرية (منها 21.3 مليار دولار كمساعدات عسكرية).
وقد وضعت هذه المذكرة نموذجاً للتخلص التدريجي من جميع المساعدات الاقتصادية المقدمة لإسرائيل.
وفي عام 2007، اتفقت إدارة جورج دبليو بوش والحكومة الإسرائيلية على مذكرة تفاهم ثانية تضمنت حزمة مساعدات عسكرية بقيمة 30 مليار دولار للفترة الممتدة لعشر سنوات، من السنة المالية 2009 إلى 2018.
وفي عام 2016، وخلال فترة إدارة باراك أوباما، وقعت الحكومتان الأمريكية والإسرائيلية مذكرة التفاهم الثالثة التي تغطي الفترة من السنة المالية 2019 إلى 2028.
وبموجب بنودها، تعهدت الولايات المتحدة بتقديم مساعدات عسكرية لإسرائيل بقيمة 38 مليار دولار، تشمل 33 مليار دولار في شكل منح ضمن برنامج "التمويل العسكري الأجنبي" (FMF) و5 مليارات دولار في شكل مخصصات دفاعية لبرامج الدفاع الصاروخي.
كما تنص مذكرة التفاهم الثالثة هذه على الإلغاء التدريجي لميزة تُعرف بـ"المشتريات الخارجية"، والتي كانت تتيح لإسرائيل استخدام جزء من المساعدات العسكرية الأمريكية لشراء أسلحة ومعدات عسكرية من مصادر محلية إسرائيلية.
مقترح إسرائيل
وطبقا للكونغرس، فإنه "انطلاقاً من وجهة نظر مفادها أن إسرائيل قد "بلغت مرحلة النضج" ولم تعد بحاجة إلى المساعدة كما كانت في السابق، دعا رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو علناً إلى الإنهاء التدريجي للمساعدات العسكرية الأمريكية الموجهة لبلاده".
وأضاف: "وبدلاً من استمرار المساعدات، أفادت تقارير بأن نتنياهو سعى إلى تعزيز الاستثمارات الأمريكية-الإسرائيلية المشتركة في مشاريع الدفاع والأمن السيبراني".
وتابع: "تدعم مخصصات الميزانية الدفاعية الأمريكية حالياً مجموعة متنوعة من البرامج الدفاعية المشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، بما في ذلك البرامج المتعلقة بالدفاع الصاروخي، ومكافحة الأنفاق، والتصدي لأنظمة الطائرات المسيرة، والتقنيات الناشئة".
ووفق الكونغرس، "من بين هذه البرامج الممولة بشكل مشترك، يندرج الدعم الأمريكي للدفاع الصاروخي الإسرائيلي (البالغ 500 مليون دولار سنوياً) فقط ضمن نطاق مذكرة التفاهم الحالية؛ في حين خصص الكونغرس مبلغ 202 مليون دولار للسنة المالية 2026 لبرامج الدفاع التعاوني مع إسرائيل خارج إطار مذكرة التفاهم".
شراكة معقدة
الكونغرس يمضي قائلا: "تُموّل معظم المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل عمليات شراء أنظمة أسلحة وخدمات من شركات الدفاع الأمريكية".
وأضاف: "وفي حال التخلص التدريجي من هذه المساعدات، قد تتحرر إسرائيل من بعض القيود المالية التي تحد من قدرتها على شراء معدات دفاعية من موردين عالميين آخرين أو تصنيع المزيد من الأسلحة محلياً".
واستدرك "ومع ذلك، ونظراً لأن أسطولها من الطائرات المقاتلة أمريكي الصنع بالكامل تقريباً، واعتماد بنيتها التحتية للدفاع الصاروخي على المساعدة الأمريكية، فقد تظل إسرائيل معتمدة لفترة طويلة على سلاسل التوريد الأمريكية، وعلى الدعم العسكري الدفاعي الأمريكي المباشر في أوقات العمليات العسكرية".
كما أشار الكونغرس الى أنه "في حال التخلص التدريجي من برنامج التمويل العسكري الأجنبي الأمريكي لإسرائيل، قد تنتقل مسؤوليات الرقابة وتخصيص الأموال في الكونغرس فيما يتعلق بإسرائيل من اللجان المعنية بالشؤون الخارجية إلى اللجان التي تركز على شؤون الدفاع".
وقال الكونغرس: "ومنذ هجمات حركة حماس في 7 أكتوبر /تشرين الأول 2023، وافقت الولايات المتحدة على صفقات جديدة بمليارات الدولارات لبيع معدات دفاعية أمريكية لإسرائيل، قامت الأخيرة بتمويلها عبر برنامج التمويل العسكري الأجنبي".
وأضاف: "وتتطلب بعض هذه الصفقات، مثل بيع طائرات مقاتلة متطورة، جداول زمنية طويلة، وقد تستلزم توفير تمويل (سواء من المنح أو من الأموال الإسرائيلية الخاصة) يمتد لفترة طويلة تغطيها أي مذكرة تفاهم جديدة".
وتابع: "ونظراً لارتفاع تكاليف شراء الطائرات المقاتلة الأمريكية المتطورة، قد تضطر إسرائيل إلى الحفاظ على مستويات مرتفعة تاريخياً من الإنفاق على المشتريات لمواصلة الحصول على المعدات الأمريكية المتقدمة".
قبل أن يقول: "تبيع الولايات المتحدة أسلحة متطورة لإسرائيل، وتفرض السياسة الأمريكية الراسخة، والمُقنَّنة بموجب القانون، على الإدارة الأمريكية التحقق من أن تصدير أي معدات دفاعية أمريكية إلى أي دولة في الشرق الأوسط بخلاف إسرائيل لن يؤثر سلباً على التفوق العسكري النوعي لإسرائيل".