وصفة إسرائيل «الكارثية» تهدد اتفاق إيران.. هل تحصنه الخطة «ب» الأمريكية؟
في وقت يواجه فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي ضغوطاً سياسية داخلية متزايدة لمواصلة الحرب في لبنان، حذرت أجهزة الاستخبارات الأمريكية إدارة الرئيس دونالد ترامب من أن بنيامين نتنياهو، قد يتخذ خطوات من شأنها تقويض جهود ترامب للتوصل إلى اتفاق سلام دائم مع إيران.
ونقلت صحيفة «واشنطن بوست»، عن مسؤولين أمريكيين حاليين وسابقين، قولهم، إن التقديرات الاستخباراتية تشير إلى أن إسرائيل مصممة على مواصلة عملياتها العسكرية ضد حزب الله في لبنان، وهو ما يتعارض مع أحد البنود الأساسية للاتفاق الناشئ بين واشنطن وطهران، والذي ينص على وقف الأعمال العدائية في لبنان.
تأتي هذه التقييمات في ظل تصاعد التوتر بين حكومة نتنياهو ومسؤولي إدارة ترامب، الذين حذروا علناً إسرائيل من شن هجمات ضد حزب الله قد تؤدي إلى إفشال الاتفاق الذي يعمل ترامب على تثبيته.
ويوم الجمعة، شنت إسرائيل غارات جوية واسعة على جنوب لبنان رداً على هجوم بطائرة مسيرة لحزب الله أدى إلى مقتل أربعة جنود إسرائيليين. ومع استمرار الاشتباكات، أعلن مسؤولون أمريكيون وإيرانيون تأجيل المحادثات التي كان من المقرر أن تبدأ في سويسرا. كما أرجأ نائب الرئيس جيه دي فانس، الذي كان سيقود الوفد الأمريكي، زيارته المقررة.
تبعات التصعيد المحتمل
ويرى مسؤولون أمريكيون، أن أي تصعيد جديد من جانب نتنياهو في لبنان لن يهدد فقط الاتفاق الموقع بين الولايات المتحدة وإيران، بل قد يسبب شرخاً في علاقته مع ترامب، وهي العلاقة التي شكلت ركيزة أساسية في مسيرته السياسية.
وخلال مؤتمر صحفي في فرنسا للإعلان عن مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية، أقر ترامب بوجود «خلاف بسيط بشأن لبنان» مع نتنياهو، قائلاً إنه طلب من الزعيم الإسرائيلي ألا «يهدم مبنى في كل مرة يدخله شخص ينتمي إلى حزب الله».
الانتخابات والتصعيد
وخلص تقرير استخباراتي أمريكي جديد إلى أن بقاء نتنياهو السياسي، في ظل الانتخابات المقررة هذا الخريف، مرتبط بإقناع الرأي العام الإسرائيلي بأنه لن يسحب القوات من لبنان وأنه مستعد لتصعيد القتال ضد حزب الله.
كما أشار التقرير إلى استياء إسرائيل من بنود مذكرة التفاهم التي رعتها إدارة ترامب، إذ ترى أنها تضعف هدفها الأوسع المتمثل في مواصلة سياسة «الضغط الأقصى» على إيران.

وقال مسؤول أمريكي سابق إن إسرائيل تعتبر أن الاتفاق قد يحد من قدرتها على الدفاع عن نفسها ضد حزب الله، في حين تؤكد إدارة ترامب أن الاتفاق لا يمنع إسرائيل من الرد على أي هجمات تتعرض لها، وأن المخاوف الإسرائيلية أقل أهمية من الحاجة إلى استكمال الاتفاق وإعادة فتح مضيق هرمز لتجنب أزمة اقتصادية عالمية.
وأضاف التقرير أن أي وقف للعمليات العسكرية أو انسحاب من لبنان سيُنظر إليه داخل إسرائيل على أنه هزيمة سياسية لنتنياهو.
وفي رد على هذه التقديرات، قال مسؤول إسرائيلي رفيع إن «النشاط العسكري الإسرائيلي في لبنان يهدف حصراً إلى حماية المواطنين الإسرائيليين من الهجمات المتواصلة لحزب الله».
دعم شعبي إسرائيلي لمواصلة الحرب
ولا يزال الرأي العام الإسرائيلي يدعم بقوة الجهود الرامية إلى إضعاف حزب الله، الذي انضم إلى حليفه حماس في مهاجمة إسرائيل بالصواريخ خلال أكتوبر/تشرين الأول 2023.
ويطالب عشرات الآلاف من الإسرائيليين الذين نزحوا من شمال البلاد بسبب هجمات الصواريخ والطائرات المسيرة بأن يوجه نتنياهو ضربة قاصمة لحزب الله، فيما تعرض رئيس الوزراء لانتقادات حادة بسبب عدم القضاء على التهديد الذي يمثله الحزب.
وأظهر استطلاع أجراه معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي أن 70% من اليهود الإسرائيليين يؤيدون تكثيف القتال ضد حزب الله، بينما يرى محللون سياسيون أن أي انسحاب عسكري سيُفسر على أنه علامة ضعف أو هزيمة.
ويرى مسؤول أمريكي آخر أن رفض إسرائيل الانسحاب من جنوب لبنان قد يكون كافياً لإفشال الاتفاق الهش بين الولايات المتحدة وإيران، حتى إذا امتنعت عن توسيع هجماتها لتشمل الضاحية الجنوبية لبيروت.
«الوصفة الكارثية»
وقال: «إن استمرار احتلال أجزاء من لبنان وصفة مؤكدة لكارثة. ومن دون انسحاب إسرائيلي كامل، فإن استئناف الأعمال القتالية بين الجيش الإسرائيلي وحزب الله يكاد يكون أمراً محتوماً».
في المقابل، تمسك وزراء في الحكومة الإسرائيلية بمواقفهم المتشددة. إذ كتب وزير الأمن القومي Itamar Ben Gvir على وسائل التواصل الاجتماعي: «مقابل كل دمعة تذرفها أم إسرائيلية، ينبغي أن تبكي ألف أم لبنانية. يجب أن يحترق لبنان بأكمله».
نتنياهو بين ضغوط الداخل وتحذيرات واشنطن
ويرى محللون أن نتنياهو يخاطر بخلق احتكاك كبير مع ترامب، الذي خاض مواجهة مع إيران بناءً على ضغوط إسرائيلية، قبل أن يجد نفسه منخرطاً في صراع مكلف اقتصادياً وعسكرياً.
وقال المحلل الاستخباراتي الإسرائيلي السابق داني سيترينوفيتش، إن نتنياهو يواجه موقفاً بالغ الصعوبة، إذ يرى أن خصمه الإقليمي الأكبر، أي النظام الإيراني، يخرج أقوى بفضل التفاهم مع الإدارة الأمريكية، بينما لا يستطيع فعل الكثير لمنع ذلك.

وخلال الأسابيع الأخيرة، نفذت إسرائيل ضربات متكررة على بيروت رداً على استفزازات من حزب الله، في وقت كانت فيه إدارة ترامب تسعى للحفاظ على الاتفاق الهش مع طهران.
ورغم توقيع الاتفاق، يواصل نتنياهو وحلفاؤه التأكيد أنهم لن يسحبوا القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان، وأنهم سيواصلون تنفيذ الضربات العسكرية حتى لو أثار ذلك غضب ترامب.
ورد نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس بتحذير مبطن، قائلاً: «دونالد ترامب هو الزعيم الوحيد في العالم المتعاطف مع إسرائيل في هذه اللحظة، وهو أيضاً رئيس الدولة الأعظم في العالم. ولو كنت عضواً في الحكومة الإسرائيلية، لما هاجمت الحليف القوي الوحيد المتبقي لي».
أوراق الضغط الأمريكية
تسيطر القوات الإسرائيلية حالياً على أكثر من 200 ميل مربع من الأراضي اللبنانية، وأدت العمليات العسكرية إلى نزوح أكثر من مليون شخص من منازلهم، وفقاً للتقديرات الواردة في التقرير.
وقال نتنياهو هذا الأسبوع: «سنظل في المنطقة الأمنية داخل لبنان طالما اقتضت الضرورة»، معترفاً في الوقت نفسه بوجود خلافات مع ترامب بشأن بعض الملفات.
ويرى مسؤولون وخبراء أمريكيون أن واشنطن تمتلك أدوات ضغط كبيرة على إسرائيل، وصفت بـ«الخطة ب»، تشمل:
- وقف إمدادات الذخائر ووقود الطائرات وقطع الدعم الفني
- تقييد تبادل المعلومات الاستخباراتية
- سحب القوات الأمريكية التي تساعد في حماية المجال الجوي الإسرائيلي.
وقال هاريسون مان إن «الحرب الدائمة والتوسع الإقليمي شكلا المحرك الأساسي للسياسة الإسرائيلية لسنوات، ومع اقتراب الانتخابات يحتاج نتنياهو إلى إثبات أنه أكثر قدرة من خصومه على تحقيق ذلك».
لكن الخبير الأمريكي آرون ديفيد ميلر اعتبر أن العامل الحاسم سيبقى سلوك حزب الله، قائلاً: «إذا لم تكبح إيران هجمات حزب الله على شمال إسرائيل، فإن نتنياهو سيرد، بغض النظر عما يقوله ترامب».