جيه دي فانس.. مقامرة محفوفة بالمخاطر على أعتاب البيت الأبيض
يهيئ نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس نفسه لقيادة حركة "لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً" أو (ماغا) لكن عليه ألا يتحول لضحية سياسية.
ويطمح جيه دي فانس نائب الرئيس الأمريكي إلى قيادة الحزب الجمهوري وحركة "لنجعل أمريكا عظيمة مجددا" حيث يسعى إلى ترسيخ نفسه باعتباره الوريث السياسي الطبيعي للرئيس الأمريكي دونالد ترامب لكنه يخاطر في الوقت نفسه بإثارة انقسامات داخل الحزب قد تضعف فرصه المستقبلية وذلك وفقا لما ذكرته صحيفة "تلغراف" البريطانية.
ولأكثر من عقد، ظل ترامب الشخصية الأكثر هيمنة على السياسة الأمريكية مما جعل التفكير في مرحلة ما بعده أمرًا صعبًا داخل "ماغا".
ومع ذلك، يعد فانس من أكثر الشخصيات استعدادًا لهذا الانتقال، بعدما اكتسب شهرة واسعة من خلال كتابه الذي شرح فيه تجربته الشخصية في ولاية أوهايو، وأصبح مرجعًا لفهم أسباب صعود ترامب في انتخابات عام 2016.
أما كتابه الجديد فيمثل إعلانًا سياسيًا وفكريًا يهدف إلى تقديم رؤية متكاملة لقيادة الحركة المحافظة بعد ترامب ويستغل فانس جولة الترويج للكتاب من أجل عرض أفكاره السياسية، خاصة فيما يتعلق بالسياسة الخارجية.
وقد أصبح فانس من أبرز المدافعين داخل إدارة ترامب عن نهج الانعزالية وتقليل التدخل العسكري الأمريكي في الخارج، كما وجه انتقادات غير مسبوقة لإسرائيل، وهو ما يميزه عن معظم القيادات الجمهورية التقليدية.
ويرى بعض المحللين أن هذا التوجه يمنح منافسين محتملين مثل وزير الخارجية ماركو روبيو والسيناتور الجمهوري تيد كروز فرصة لتقديم أنفسهم بوصفهم الورثة الحقيقيين لترامب، خاصة أن غالبية الجمهوريين لا يزالون يؤيدون سياسة التدخل الخارجي والدعم القوي لإسرائيل.
في المقابل، يعتقد آخرون أن فانس يمتلك قدرة كبيرة على تغيير مواقفه السياسية والتكيف مع الظروف، مستشهدين بتحوله من أحد أشد منتقدي ترامب، إلى أحد أكثر المدافعين عنه.
وتعد شخصية فانس مليئة بالتناقضات؛ فهو مثقف شعبوي، وصحفي عسكري سابق يهاجم وسائل الإعلام باستمرار، وكاثوليكي ينتقد البابا لتدخله في السياسة الأمريكية، كما أنه ينتقد ما يسميه "الدولة العميقة" ويروج أحيانًا لنظريات مؤامرة، رغم كونه أحد أعلى المسؤولين في الحكومة الأمريكية.
ومن أبرز القضايا التي تهدد مستقبل فانس السياسي، دوره في المفاوضات مع إيران لإنهاء الحرب فقد تولى قيادة محادثات السلام التي أسفرت عن مذكرة تفاهم مثيرة للجدل تضمنت تخفيف العقوبات والإفراج عن أصول مالية إيرانية مقابل وقف التصعيد العسكري.
لكن الاتفاق انهار بعد أسابيع قليلة مع تجدد المواجهات بين الولايات المتحدة وإيران، الأمر الذي جعل خصومه داخل الحزب يهاجمونه بشدة ويتهمونه بتقديم تنازلات كبيرة لإيران.
واستغل بعض الجمهوريين، وعلى رأسهم السيناتور تيد كروز فشل الاتفاق لانتقاد فانس، معتبرين أن تقديم مليارات الدولارات لإيران يمثل خطأً استراتيجيًا.
في المقابل، يرى مؤيدو فانس أنه حاول تجنب حرب أوسع نطاقًا وحماية المصالح الأمريكية، وأن فشل الاتفاق لا يتحمل مسؤوليته وحده.
ويعد موقف فانس من إسرائيل، من أكثر مواقفه إثارة للجدل داخل الحزب الجمهوري بعدما اتهم الحكومة الإسرائيلية بإفشال جهود السلام مع إيران، وانتقد اعتمادها المفرط على الحلول العسكرية، مؤكدًا أن الولايات المتحدة يجب أن تضع مصالحها الوطنية فوق مصالح أي حليف، بما في ذلك إسرائيل.
كما ألمح فانس إلى وجود محاولات إسرائيلية للتأثير على الرأي العام الأمريكي بهدف دفع الولايات المتحدة إلى الانخراط في حروب طويلة.
ورغم أن هذه التصريحات تعكس تغيرًا ملحوظًا في مواقف جزء من القاعدة الجمهورية، خاصة بين الشباب، فإن كثيرًا من القيادات المحافظة لا يزالون يعتبرون دعم إسرائيل جزءًا أساسيًا من هوية الحزب.
ويحذر بعض الخبراء من أن فانس قد يخسر دعم الناخبين الأكبر سنًا، الذين يشاركون بكثافة في الانتخابات التمهيدية، إذا استمر في هذا النهج.
داخليا، يقدم فانس نفسه باعتباره مفكرًا محافظًا يرى أن الولايات المتحدة تعاني من تراجع حضاري وأخلاقي ففي كتابه الجديد يدعو إلى العودة إلى القيم المسيحية التقليدية، ويرى أن المجتمع الأمريكي أصبح يقدس النجاح الاقتصادي والاستهلاك على حساب الأسرة والدين.
وينتقد فانس أيضا الليبرالية الاقتصادية المطلقة، ويؤكد أن الأسواق الحرة وحدها لا تحقق العدالة الاجتماعية أو الاستقرار الأسري.
كما يتبنى فانس سياسات اقتصادية حمائية، ويعارض التجارة الحرة ويدافع عن فرض قيود لحماية الصناعة الأمريكية، وهو ما يعد امتدادا للأفكار التي طرحها منذ كتابه الأول حول تدهور المجتمعات الصناعية في الغرب الأوسط الأمريكي.
لكن هذه المواقف قد تثير خلافات داخل الحزب الجمهوري، الذي لا يزال يضم تيارًا واسعًا يؤيد الاقتصاد الحر والتجارة المفتوحة.
ويواجه فانس معضلة مشابهة لما واجهه كثير من نواب الرؤساء الأمريكيين الذين سعوا للوصول إلى الرئاسة إذ يجب عليه التمييز بين نفسه وبين الإدارة التي ينتمي إليها دون أن يبدو متمردًا على الرئيس.
وتزداد هذه المهمة صعوبة بسبب شخصية ترامب، المعروف بعدم تسامحه مع من يختلف عن مواقفه كما أن الحصول على تأييده يظل العامل الأهم في حسم المنافسة داخل الحزب الجمهوري.
أخيرا، يبدو أن فانس يحاول بناء مشروع سياسي مستقل يحمل ملامح "الترامبية" لكنه يضيف إليها رؤيته الفكرية الخاصة المستوحاة من الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون، وخاصة فكرة "الأغلبية الصامتة".
ويعتقد فانس أن هذه الأغلبية لا تزال موجودة ويمكنها أن تمنحه الطريق إلى البيت الأبيض، لكن نجاحه سيعتمد على قدرته في الموازنة بين الولاء لترامب، وكسب دعم القاعدة الجمهورية، وإقناع الناخبين بأنه ليس مجرد نسخة من الرئيس الحالي، بل قائد قادر على صياغة مرحلة جديدة للمحافظين الأمريكيين.